الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف التعلم في بيئة العمل.. هكذا

في ورشة عمل حديثة، أطلق أحد كبار التنفيذيين عبارة معبّرة: “لا أحد يعرف كيف سيتعلم الناس في هذا العصر الجديد”، وهي جملة تختصر حالة القلق السائدة داخل المؤسسات التي ترى الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام وأدوات العمل بسرعة تفوق قدرة البشر على اللحاق بها، بينما يبقى تأثيره على التطوير البشري، اكتساب الخبرة، بناء التعاطف، وصياغة الهوية المهنية أكثر غموضًا وأقل قابلية للتوقع. وفي هذه البيئة المتسارعة يصبح اليقين نادرًا، لكن ما يزال الحوار المفتوح ممكنًا وضروريًا داخل فرق القيادة لطرح الأسئلة المصيرية.

الباحثة ليندا غراتون، أستاذة الممارسات الإدارية في كلية لندن للأعمال، تطلق على هذه الحوارات اسم “محادثات صناعة المعنى”، وقد طوّرت أربع استفزازات فكرية لمساعدة القادة على فهم كيف يغير الذكاء الاصطناعي شروط التعلم والنمو داخل المؤسسات، وترى أن تجاهلها قد يقود إلى مستقبل أكثر خطورة مما نتخيّل.

1. ماذا لو اختفت مسارات الإتقان المهني؟

تدعو غراتون القادة لاسترجاع رحلتهم الشخصية نحو الإتقان: ساعات التدريب الطويلة، لحظات الفشل، نصائح المرشدين، والتجارب الصعبة التي صقلت مهاراتهم وبنت هويتهم المهنية. لكن الذكاء الاصطناعي اليوم يختصر هذه الرحلة، وهنا يبرز سؤال أحد المصرفيين لها: “إذا لم يواجه المحللون الجدد الصعوبات التي واجهناها.. هل سيتعلمون التفكير حقًا؟”، فالتطوير المهني ليس مجرد إنجاز أسرع، بل تحوّل عميق يبني الشخصية المهنية ويصوغ المعنى الذاتي للمهنة، والخشية أن يؤدي تسريع التعلم إلى فقدان التجارب التي تُنتج القادة الحقيقيين.

2. هل تتحوّل الوفرة الرقمية إلى ضجيج قاتل للتعلم؟

تستعيد غراتون دروس الجائحة حين تسببت منصات مثل Zoom وTeams في ارتفاع الاجتماعات بنسبة 50%، ما قلّص مساحة التفكير العميق، واليوم يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج المشهد على نطاق أوسع، فالموظفون يستطيعون إعداد تقارير وعروض وتحليلات دون جهد تقريبًا، لكن الملاحظة الأخطر التي تتكرر داخل الشركات: “ننتج أكثر.. ونفكر أقل”، فوفرة المحتوى قد تتحوّل إلى ضجيج يلتهم الهدوء الذهني الضروري للإبداع والتعلم والنمو.

3. هل نفقد ما يجعلنا بشراً؟

أكثر ما يقدّره القادة في فرقهم هو الحدس، التعاطف، والحكمة الأخلاقية، وهي مهارات تُكتسب عبر الاحتكاك البشري، حل النزاعات، وإدارة المحادثات الصعبة، لكن عندما تتوسط أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه التفاعلات، تقلّ فرص التعرض للتجارب العاطفية التي تُنضج الإنسان، وهنا يتساءل أحد التنفيذيين: “إذا تولّى الذكاء الاصطناعي إدارة المحادثات الصعبة.. متى سيتعلم البشر خوضها بأنفسهم؟”، فالتعاطف ليس ناتجًا لغويًا، بل خبرة إنسانية حيّة نخشى أن تتآكل إذا لم نحافظ على دور البشر في قلب التعلم المؤسسي.

4. هل تتآكل حرية الاختيار مع أنظمة التوجيه الذكية؟

مع الأنظمة التي تقترح الخطوة التالية وتوجّه القرارات، يخشى القادة أن يفقد الموظفون ملكة الاختيار، وهي جوهر النمو الشخصي والمهني، ويتكرر السؤال: “إذا كان النظام يعرف دائمًا ما يجب فعله.. متى سيتعلم الناس أن يختاروا بأنفسهم؟”، وترى غراتون أن الحل ليس رفض الذكاء الاصطناعي، بل تصميم أنظمة تحافظ على مساحة للتفكير واتخاذ القرار البشري، حتى لا يتحوّل التعلم إلى مسار آلي بلا روح.

الخلاصة

سيغير الذكاء الاصطناعي العمل بلا شك، لكن التأثير الأعمق والأخطر قد يكون على طريقة تعلمنا ونمونا داخل بيئة العمل. تدعو ليندا غراتون القادة إلى حوارات شجاعة تضع التطوير البشري في قلب التحول الرقمي، لأن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد إنتاجية أعلى، بل أن نضمن أن يبقى الإنسان قادرًا على أن يصبح أفضل نسخة من نفسه، لا نسخة أسرع فقط، فالمؤسسات الذكية ليست التي تستبدل البشر بالآلات، بل التي تجعل البشر أكثر إنسانية رغم الآلات.

 

شارك هذا الخبر
إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 1429

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *