موجة التغيير التقني.. خسائر بشرية مبكرة وتأثيرات غير متكافئة
مع التسارع غير المسبوق في تبني الذكاء الاصطناعي خلال 2025، بدأت انعكاسات التكنولوجيا تُلامس الوظائف التقليدية في قطاعات واسعة، حيث يجد ملايين العاملين أنفسهم خارج السوق، ليس بسبب نقص الكفاءة، بل نتيجة تفوق الخوارزميات في السرعة وانخفاض التكلفة. وتبرز الفجوة بوضوح لدى الفئات العمرية الأكبر سنًا، التي لم تتح لها فرص كافية لمواكبة التحول الرقمي، مما يجعلها الأكثر تعرضًا لتداعيات الاستبدال التقني.
التجربة التي مرت بها المحررة اللغوية اللبنانية حامدة الشاكر تعكس صورة مصغرة لهذه الموجة العالمية، إذ تلقت في غضون أشهر إخطارين متتاليين، الأول بخفض راتبها بنسبة 50%، والثاني بالاستغناء عنها، ضمن موجة تقليص شملت نصف فريق عملها، بعد أن لجأت الشركات المتعاقدة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتواها بتكلفة تقل كثيرًا عن رواتب الموظفين. وفق تقرير موسع نشره “الشرق الأوسط”.
الرعاية الصحية والتعليم أبرز الرابحين من الثورة الذكية
على الجانب الآخر، يرى مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات ثورية في الرعاية الصحية، حيث ستصبح الأنظمة الذكية جزءًا من رحلة المريض اليومية، قادرة على تحسين التشخيص وتقليل الأخطاء الطبية، ودعم الأطباء في الأنظمة الصحية المزدحمة.
كما يمتد التأثير إلى التعليم والتدريب المهني عبر تخصيص المناهج وفق قدرات كل طالب، مما يعزز التعلم الفردي ويرفع كفاءة العملية التعليمية.
حوكمة وتشريعات مطلوبة لكبح المخاطر وتعظيم المنفعة
ورغم التفاؤل بالإمكانات، يلتقي غيتس مع مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي لقطاع AI في مايكروسوفت، في التأكيد على أن القلق من الذكاء الاصطناعي قلق مشروع، ويمثل دافعًا للتحرك التنظيمي.
وقد دعا جيتس الحكومات إلى تشديد التشريعات الضريبية على عمالقة التكنولوجيا لضمان تطوير الذكاء الاصطناعي ضمن أطر مسؤولة، وعدم تحوله إلى تهديد في الأيدي غير المنضبطة.
ويشدد الخبراء على أن غياب التنظيم قد يفتح الباب أمام أسلحة رقمية، وفوضى معلوماتية، وتأثيرات سياسية واقتصادية ضارة، مما يهدد الاستقرار المجتمعي إذا لم تتم السيطرة عليه مؤسسيًا.
الشركات بين ضغط التكلفة ومسؤوليات اجتماعية مؤجلة
وفق تحليلات اقتصادية، فإن اشتراك المؤسسات في أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد يعادل في بعض الحالات راتب موظف واحد لعدة أشهر، مما يدفع الشركات إلى إعادة هيكلة فرق العمل وتقليل الاعتماد على العنصر البشري في المهام الروتينية والتحريرية.
وتفيد تقديرات متخصصة بأن 92 مليون وظيفة قد تختفي خلال 5 سنوات، بينما سيقابلها توليد 170 مليون وظيفة جديدة في مجالات أكثر تقدمًا، مثل:
تحليل البيانات، الأمن السيبراني، هندسة الحلول الرقمية، وإدارة الأنظمة الذكية.
كما كشف تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أن 41% من الشركات تخطط لتقليص القوى العاملة بحلول 2030 نتيجة الاعتماد المتزايد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
ويرى المختصون أن الخبرة التقليدية لم تعد كافية، وأن البقاء في السوق يتطلب مهارات جديدة تشمل:
التعامل مع أدوات AI، التحليل التنبؤي، قراءة البيانات، وتحويل المعلومات إلى قيمة مضافة وسرد جذاب.
سوق الذكاء الاصطناعي.. نمو تريليوني في مقابل تساؤلات أخلاقية
في مقابل خسائر الوظائف، تسجل شركات الذكاء الاصطناعي نموًا ماليًا هائلًا؛ إذ بلغت إيرادات OpenAI 10 مليارات دولار في منتصف 2025، مع توقعات بتجاوز 12.7 مليار بنهاية العام.
كما تُسهم وحدات AI في شركات تقنية كبرى مثل Google وNVIDIA وMeta وAmazon وAnthropic في رفع الإيرادات بمليارات الدولارات سنويًا، مما جعل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات الربح في قطاع التكنولوجيا عالميًا.
وتشير التقديرات إلى أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي بلغ 747.9 مليار دولار في 2025، وقد يصل إلى 2.74 تريليون دولار بحلول 2032.
ورغم أن هذه الأرقام تؤكد ريادة القطاع اقتصاديًا، فإنها تفتح نقاشًا متناميًا حول مسؤولية الشركات اجتماعيًا تجاه الموظفين الذين يتم الاستغناء عنهم، لا سيما في ظل غياب برامج تأهيل كافية وفرص انتقال مهني حقيقية، وهو ما يسهم – وفق خبراء الاقتصاد – في تعميق فجوة البطالة بدل تضييقها.




