دراسة تحذر من استخدام الذكاء الاصطناعي في مراجعة الأبحاث العلمية

الذكاء الاصطناعي يدخل عالم التحكيم العلمي

مع الزيادة المتواصلة في أعداد الأبحاث العلمية المنشورة سنويًا، بدأت مؤسسات أكاديمية وباحثون حول العالم في الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات مراجعة الأبحاث وتقييمها قبل النشر.

ورغم الوعود التي قدمتها هذه الأدوات بتقليل الوقت والجهد اللازمين لمراجعة الدراسات العلمية، كشفت دراسة حديثة أن الاعتماد عليها قد يفتح الباب أمام مشكلات جديدة تتعلق بجودة التقييم وإمكانية التلاعب بنتائج المراجعة.

دراسة تكشف سهولة خداع المراجعين الآليين

توصل فريق بحثي بقيادة عالم الحاسوب يواخيم باومان من جامعة ستانفورد إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في مراجعة الأبحاث يمكن خداعها بسهولة، ما يسمح بتحسين تقييم بعض الدراسات دون إجراء أي تحسينات علمية حقيقية على محتواها.

ومن المقرر عرض نتائج الدراسة خلال المؤتمر الدولي للتعلم الآلي (ICML) المنعقد في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، حيث ركز الباحثون على تقييم أداء نماذج الذكاء الاصطناعي في مراجعة الأوراق العلمية ومدى قدرتها على تقديم تقييمات موضوعية ومتنوعة.

الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يتوسع في الأوساط الأكاديمية

تشير البيانات إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح شائعًا بشكل متزايد بين الباحثين. فوفقًا لدراسات حديثة، تم توليد نسبة ملحوظة من الأبحاث المقدمة إلى مؤتمرات الذكاء الاصطناعي بمساعدة النماذج اللغوية، بينما يعتمد عدد كبير من العلماء على هذه الأدوات لتلخيص الدراسات وتحليل الحجج العلمية وتقديم مراجعات أولية للأبحاث.

كما أظهرت استطلاعات دولية أن أكثر من نصف الباحثين الذين شملتهم الدراسات استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر للمساعدة في مراجعة الأوراق العلمية.

المراجعات الآلية تفتقر إلى التنوع الفكري

أحد أبرز نتائج الدراسة تمثل في أن المراجعات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي كانت متشابهة إلى حد كبير مقارنة بالمراجعات البشرية.

وقام الباحثون بتحليل آلاف المراجعات الخاصة بالأبحاث المقدمة إلى مؤتمر ICLR 2026، ليتبين أن التعليقات التي تولدها النماذج الذكية تعتمد أنماطًا لغوية وأسلوبية متقاربة للغاية، ما يؤدي إلى تراجع التنوع في وجهات النظر العلمية.

ويحذر الباحثون من أن غياب التنوع في التقييمات قد يؤثر على جودة عملية التحكيم العلمي، خاصة أن قرارات قبول أو رفض الأبحاث تعتمد في كثير من الأحيان على تقديرات ذاتية تتطلب تعدد الآراء ووجهات النظر.

تعديلات شكلية ترفع تقييم الأبحاث

ضمن التجارب التي أجراها الفريق البحثي، تم اختيار 60 ورقة علمية بشكل عشوائي، ثم طلب من نماذج الذكاء الاصطناعي إعداد مراجعات تفصيلية لها كما يفعل المحكمون الأكاديميون.

بعد ذلك، استخدمت نماذج لغوية أخرى هذه المراجعات لإعادة صياغة الأوراق بهدف الحصول على تقييمات أعلى.

وأظهرت النتائج أن معظم الأوراق حصلت على درجات أفضل بعد إعادة الصياغة، رغم أن التعديلات كانت في الغالب شكلية، مثل استخدام عبارات أكثر حذرًا أو كلمات تعزز الانطباع بالقوة والموثوقية.

مخاوف من ممارسات علمية غير سليمة

رصد الباحثون حالات أكثر إثارة للقلق، حيث أضافت بعض النماذج معلومات أو نتائج تجريبية لم تُنفذ أصلًا ضمن الدراسات الأصلية، في سلوك قد يرقى إلى مستوى التزييف العلمي.

ويرى معدو الدراسة أن هذه النتيجة تبرز خطورة الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئات تتطلب دقة علمية عالية ومساءلة واضحة.

خطر ظهور “الاحتكار الفكري” في الأبحاث

كشفت الدراسة أيضًا أن الأبحاث التي أعادت النماذج صياغتها أصبحت أكثر تشابهًا فيما بينها مقارنة بالنسخ الأصلية.

ويخشى الباحثون من أن يؤدي ذلك إلى ما وصفوه بـ”الاحتكار الفكري”، حيث تتجه الكتابات العلمية تدريجيًا إلى أسلوب موحد يفضله الذكاء الاصطناعي، ما قد يقلل من التنوع والإبداع في الأبحاث المنشورة.

وفي حال استخدام عدد كبير من الباحثين للنماذج نفسها في كتابة أبحاثهم، فقد تصبح الأوراق العلمية أكثر تشابهًا من حيث الأسلوب والمنهجية وطريقة عرض النتائج.

تحديات أمام دمج الذكاء الاصطناعي في التحكيم العلمي

رغم أن بعض المؤتمرات العلمية بدأت اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات المراجعة، فإن العديد من الجهات الأكاديمية لا تزال تفرض قيودًا على استخدامها أو تحظرها بالكامل.

ويؤكد الخبراء أن تقييم الجوانب الموضوعية، مثل اكتشاف الأخطاء الشكلية أو المراجع غير الدقيقة، يمكن أتمتته بسهولة، لكن الحكم على أهمية الاكتشافات العلمية أو مدى إبداع الأفكار الجديدة يظل تحديًا يصعب على النماذج الحالية التعامل معه بكفاءة.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تقييم الابتكار الحقيقي؟

يثير الباحثون تساؤلات حول قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على تقييم الدراسات التي تتحدى الأفكار السائدة أو تقدم مناهج وتجارب غير تقليدية.

فقد تميل النماذج إلى تفضيل الأبحاث المتوافقة مع الأنماط المعروفة لديها، بينما تمنح تقييمات أقل للأفكار الجديدة والجريئة، رغم إمكانية أن تكون هذه الأبحاث ذات قيمة علمية كبيرة على المدى الطويل.

ويخلص الخبراء إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة مفيدة في بعض مراحل التحكيم العلمي، لكنه لا يزال بعيدًا عن أن يحل محل المراجعين البشر، خاصة في القضايا التي تتطلب التفكير النقدي وتقدير الأصالة والابتكار العلمي.

 

شارك هذا الخبر
إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 1937

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *