حوكمة الذكاء الاصطناعي مفتاح نجاح الشركات.. تقرير

يشهد العالم تسارعًا كبيرًا في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات والمؤسسات، إلا أن القدرة على إدارة هذه التقنيات بصورة آمنة ومنظمة لا تزال محدودة. ووفقًا لتقرير صادر عن شركة McKinsey لعام 2025، فإن جميع الشركات تقريبًا تستثمر في الذكاء الاصطناعي، بينما لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي تعتبر نفسها ناضجة في تطبيق حوكمة الذكاء الاصطناعي 1% فقط.

ويؤكد خبراء قانونيون أن نجاح الشركات في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على سرعة تبني التكنولوجيا، بل على وجود سياسات واضحة، وتدريب مستمر للموظفين، مع الإبقاء على الرقابة البشرية على القرارات المهمة.

الحاجة إلى ضوابط واضحة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

قال المحامي تروي ليبرمان، المستشار القانوني في شركة Nixon Peabody، إن أكبر التحديات التي تواجه الشركات تتمثل في وضع ضوابط تنظيمية تواكب التوسع السريع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يسهم في تسريع العمليات ورفع الإنتاجية وتحسين كفاءة الموظفين، لكنه يثير في الوقت نفسه قضايا تتعلق بالخصوصية، ودقة المعلومات، والتحيز، وحقوق الملكية الفكرية، والمسؤولية القانونية.

وأشار إلى أن الشركات ينبغي أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة أعمال تحتاج إلى إطار حوكمة متكامل، وليس مجرد برنامج جديد، مع تحديد المنصات المسموح باستخدامها، وأنواع البيانات التي يمكن إدخالها، والحالات التي تتطلب مراجعة بشرية.

مخاطر تسريب البيانات والأسرار التجارية

يحذر الخبراء من أن غياب السياسات الواضحة قد يدفع الموظفين دون قصد إلى إدخال معلومات سرية أو بيانات حساسة داخل منصات الذكاء الاصطناعي العامة، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان الحماية القانونية للأسرار التجارية أو تعريض الشركات لمخاطر تنظيمية.

وترى كاتارينا “كيت” بولوزي، الشريكة في مكتب Woods Oviatt Gilman، أن الشركات يجب ألا تفترض أن البيانات التي يتم إدخالها في منصات الذكاء الاصطناعي ستظل سرية، إذ إن بعض مزودي الخدمات يحتفظون بالمحادثات أو يستخدمونها في تدريب النماذج المستقبلية، وهو ما يشكل خطرًا على المعلومات التجارية الحساسة وامتياز السرية بين المحامي والعميل.

وأكدت أن إدخال قوائم العملاء أو الأكواد البرمجية الخاصة أو استراتيجيات التسعير أو الخطط التجارية في أدوات الذكاء الاصطناعي العامة قد يؤدي إلى فقدان الحماية القانونية لهذه المعلومات، مشيرة إلى أن استعادتها أو حذفها لاحقًا قد يكون أمرًا غير ممكن عمليًا.

قضية قضائية تعزز المخاوف القانونية

استشهدت بولوزي بقضية United States v. Heppner، التي رأت فيها المحكمة أن أحد المستخدمين فقد امتياز السرية بينه وبين محاميه بعدما أدخل معلومات قانونية محمية إلى منصة ذكاء اصطناعي عامة، معتبرة أن مشاركة هذه المعلومات مع المنصة تمثل إفصاحًا لطرف ثالث.

وأوضحت أن سياسات الخصوصية الخاصة بمزود الخدمة، والتي تسمح بجمع البيانات واستخدامها في تدريب النماذج أو مشاركتها، ألغت أي توقع منطقي للسرية، وهو ما قد ينطبق أيضًا على الأسرار التجارية وغيرها من المعلومات الحساسة.

المسؤولية القانونية تبقى على عاتق الشركات

يشدد الخبراء على أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينقل المسؤولية القانونية إلى مطوري التكنولوجيا، بل تظل الشركات مسؤولة عن كيفية استخدام الأدوات والقرارات التي تعتمد على مخرجاتها.

وأوضح ليبرمان أنه إذا تسبب نظام ذكاء اصطناعي في استبعاد متقدم لوظيفة بشكل غير عادل، أو رفض طلب قرض لأسباب تمييزية، أو إساءة التعامل مع البيانات الشخصية، فإن تحميل المسؤولية للتكنولوجيا وحدها لن يكون دفاعًا قانونيًا مقبولًا.

وأضاف أن الأمر يزداد أهمية في القطاعات الحساسة مثل التوظيف، والإقراض، والرعاية الصحية، حيث تتركز الرقابة التنظيمية على قضايا العدالة والشفافية والحد من التحيز.

تدريب الموظفين عنصر أساسي لنجاح الذكاء الاصطناعي

يرى تيم بلانكيت، المستشار القانوني الأول في Harris Beach Murtha، أن الذكاء الاصطناعي يمثل مضاعفًا لقدرات الموظفين، لكنه قادر أيضًا على تضخيم الأخطاء بالسرعة نفسها.

وأكد أن نجاح الشركات لا يرتبط فقط بتوفير أحدث الأدوات، بل يعتمد بدرجة كبيرة على تدريب العاملين ورفع مستوى الوعي والمهارات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة وآمنة.

تحديث سياسات الحوكمة بشكل مستمر

ينصح الخبراء الشركات بعدم انتظار صدور تشريعات جديدة قبل تحسين سياسات حوكمة الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن الحوكمة عملية مستمرة تتطلب مراجعة دورية للسياسات، والمنصات المعتمدة، وبرامج تدريب الموظفين، بما يتماشى مع التطورات التقنية والقانونية.

كما أوصت بولوزي بإجراء مراجعات قانونية وفنية دقيقة قبل اعتماد أي منصة ذكاء اصطناعي، مع التفاوض على بنود تعاقدية تضمن حماية البيانات، والحفاظ على السرية، وتطبيق أفضل معايير الأمن السيبراني والاحتفاظ بالمعلومات.

ومن جانبه، دعا بلانكيت الشركات إلى حصر جميع أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة داخل المؤسسة أولًا، ثم بناء سياسات حوكمة شاملة تغطي استخدامها، مع مراجعتها بصورة منتظمة لمواكبة التطورات المتسارعة.

الحوكمة هي العامل الحاسم في نجاح الشركات

يتفق الخبراء على أن المؤسسات التي ستحقق أكبر استفادة من الذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة الأسرع في تبني التكنولوجيا، وإنما الأكثر قدرة على إدارتها وفق ضوابط واضحة وسياسات فعالة تضمن حماية البيانات والامتثال للقوانين، مع الحفاظ على دور العنصر البشري في اتخاذ القرارات الحساسة.

شارك هذا الخبر
إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1449

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *