يشهد التعليم الطبي تحولًا متسارعًا مع توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يفرض على كليات الطب إعادة النظر في المهارات التي يحتاج الطلاب إلى تعلمها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التفكير النقدي والاستدلال التشخيصي والقدرة على اتخاذ القرارات الطبية بعيدًا عن الاعتماد الكامل على التكنولوجيا.
ويرى روبرت واكتر، رئيس قسم الطب في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو ومؤلف كتاب عن تأثير الذكاء الاصطناعي على الرعاية الصحية، وفق تقرير نشرته ” بي بي سي”، أن هذه التقنيات يمكن أن تقدم فوائد كبيرة للتعليم الطبي، لكنها تحمل مخاطر إذا تحولت إلى بديل عن المهارات الأساسية التي يجب أن يكتسبها الطبيب.
الذكاء الاصطناعي يفرض مهارات جديدة على طلاب الطب
قال واكتر إن أحد أهم الأسئلة التي تواجه طلاب الطب وأساتذتهم هو تحديد ما يجب تعلمه مستقبلًا، وما المهارات القديمة التي لم تعد تستحق القدر نفسه من الوقت والجهد.
وأوضح أن الطلاب بحاجة إلى فهم أدوات الذكاء الاصطناعي ومعرفة قدراتها وحدودها، إلى جانب تعلم كيفية التعامل معها واختيار الأداة المناسبة لكل موقف.
كما يحتاج الأطباء المستقبليون إلى اكتساب القدرة على التكيف مع التغيرات المتسارعة في القطاع الصحي، خاصة أن طبيعة عمل الطبيب خلال العقود المقبلة يصعب التنبؤ بها.
هل يمكن الاستغناء عن بعض مقررات الطب؟
يرى واكتر أن تطور الذكاء الاصطناعي قد يدفع كليات الطب إلى إعادة تقييم بعض جوانب المناهج الدراسية.
وأشار إلى أن الطالب سيظل بحاجة إلى معرفة كيفية التعامل مع الأعراض المهمة، مثل سؤال المريض الذي يعاني ضيق التنفس عن وجود تورم في الساقين، لكنه قد لا يحتاج إلى حفظ تفاصيل عدد كبير من الأدوية أو بعض العمليات الحيوية المعقدة كما كان الحال في السابق.
في المقابل، شدد على أن مهارات التشخيص والاستدلال الطبي تظل أساسية، ولا ينبغي أن يحل الذكاء الاصطناعي محلها في مرحلة تدريب الطلاب.
استخدام الذكاء الاصطناعي كمدرب للطلاب
يمكن للطلاب الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التدريب على المواقف الطبية الصعبة، خاصة تلك التي تتطلب مهارات تواصل عالية.
وضرب واكتر مثالًا بمناقشة قرارات نهاية الحياة مع المريض، وهي من المواقف التي قد يشعر طالب الطب بالقلق قبل خوضها للمرة الأولى.
وفي هذه الحالة، يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتقديم إرشادات للطالب حول كيفية بدء الحوار، وطرح الأسئلة الحساسة، والتعامل مع ردود فعل المريض.
الذكاء الاصطناعي يمكنه تطوير مهارات التواصل الطبي
يرى واكتر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر فرصًا تعليمية يصعب توفيرها بالطرق التقليدية.
وأوضح أنه في العادة لا يملك الطبيب المشرف الوقت الكافي لمراقبة كل مقابلة يجريها الطالب مع المرضى، ولذلك يعتمد في تقييم مهارات الطالب على الطريقة التي يعرض بها الحالة خلال الجولات الطبية.
لكن تسجيل المقابلة، بعد الحصول على موافقة المريض، يمكن أن يسمح لأداة ذكاء اصطناعي بتحليل الحوار وتقديم ملاحظات للطالب حول مهارات الاستماع وطرح الأسئلة وإدارة المقابلة.
الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي يهدد التعلم
حذر واكتر من استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تؤدي إلى الاستغناء عن التفكير الشخصي للطالب.
وأشار إلى أن أدوات مثل المساعدات التي تلخص الملفات الطبية أو تقترح التشخيصات التفريقية يمكن أن تكون مفيدة للأطباء، لكنها قد تضر بالطلاب إذا استخدموها منذ اليوم الأول في التدريب.
وأوضح أن الطالب يحتاج أولًا إلى تعلم كيفية كتابة الملاحظات الطبية بنفسه، وبناء قائمة التشخيصات المحتملة اعتمادًا على تفكيره، قبل السماح للأدوات الذكية بتنفيذ هذه المهام نيابة عنه.
«الاحتكاك التعليمي» ضروري في تدريب الأطباء
يرى الخبير أن بعض الصعوبات التي يواجهها الطالب أثناء التعلم تمثل جزءًا مهمًا من العملية التعليمية، لأنها تساعد على بناء المهارات الذهنية اللازمة لممارسة الطب.
وبالتالي، فإن منح الطالب إجابات جاهزة من الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز مراحل مهمة من التعلم، ويؤدي بمرور الوقت إلى ضعف القدرة على التفكير والتحليل المستقل.
الذكاء الاصطناعي يجب أن ينتقد إجابة الطالب
اقترح واكتر تطوير أدوات ذكاء اصطناعي مخصصة للطلاب لا تقدم الإجابة مباشرة، بل تطلب منهم أولًا توضيح ما يعتقدون أنه الحل.
بعد ذلك، يمكن للأداة تحليل إجابة الطالب وتقديم ملاحظات وتصحيح الأخطاء، بما يحافظ على مشاركة الطالب في عملية التفكير بدلًا من تحويل الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة للحصول على إجابات جاهزة.
وأكد أن هذه الطريقة قد تساعد على تحقيق توازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على المهارات الأساسية.
ضرورة امتلاك الطبيب مهارات أساسية دون AI
يشدد واكتر على أن الطبيب يجب أن يمتلك المهارات الأساسية حتى في حال عدم توفر الذكاء الاصطناعي.
ويرى أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت جيدة بما يكفي لتقديم فوائد حقيقية، لكنها لم تصل إلى درجة تجعل الاعتماد عليها دون مراجعة أمرًا آمنًا تمامًا.
ومن ثم، ينبغي أن يكون الطبيب قادرًا على أداء المهام الأساسية بنفسه، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره مساعدًا أو «مساعد طيار» وليس بديلًا عن الخبرة البشرية.
تحديات جديدة أمام تقييم طلاب الطب
يواجه أساتذة الطب أيضًا تحديًا جديدًا يتمثل في تحديد المهارات التي يجب تقييمها بعيدًا عن الذكاء الاصطناعي، وتلك التي يمكن للطلاب استخدام التكنولوجيا خلالها.
ويرى واكتر أن التقييم يجب أن يبدأ بقياس قدرة الطالب على أداء المهام الأساسية دون مساعدة الذكاء الاصطناعي، ثم السماح باستخدامه تدريجيًا باعتباره أداة مساعدة.
خطر «فقدان المهارات» و«عدم اكتسابها»
حذر واكتر من ظاهرة قد تكون أكثر خطورة من فقدان المهارات لدى الأطباء، وهي عدم اكتساب الطلاب لهذه المهارات من الأساس بسبب الاعتماد المبكر على الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن عددًا من الطلاب أصبحوا بالفعل يشعرون بالقلق من هذا الأمر، ما يعكس إدراكًا متزايدًا للمخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على التكنولوجيا.
وأكد أن مواجهة هذه المشكلة تتطلب وضع قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم الطبي، بحيث تستفيد كليات الطب من قدراته دون التضحية بالمهارات الإنسانية والتفكير السريري الضروريين لممارسة المهنة.




