أدى التسارع الكبير في تطورات الذكاء الاصطناعي إلى ظهور حاجة متزايدة داخل الشركات العالمية إلى قيادات متخصصة قادرة على إدارة التحول الرقمي، وهو ما دفع كليات الأعمال الأميركية إلى إطلاق برامج تدريبية تستهدف إعداد شاغلي منصب “رئيس الذكاء الاصطناعي” (Chief AI Officer)، رغم استمرار الجدل حول طبيعة هذا الدور وحدوده داخل الهياكل الإدارية.
وتسعى هذه البرامج إلى تأهيل قادة قادرين على ربط تقنيات الذكاء الاصطناعي باستراتيجيات الشركات، وتحويل الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا الحديثة إلى نتائج عملية تدعم النمو والتنافسية.
ارتفاع الطلب على منصب رئيس الذكاء الاصطناعي في الشركات
شهدت الفترة الأخيرة توسعاً ملحوظاً في استحداث منصب رئيس الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الكبرى، مع تزايد اعتماد الشركات على حلول الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات وتحسين العمليات التشغيلية.
وكشف استطلاع أجراه معهد IBM لقيمة الأعمال وشمل نحو ألفي رئيس تنفيذي حول العالم، أن نسبة المؤسسات التي لديها مسؤول متخصص عن الذكاء الاصطناعي ارتفعت إلى 76%، مقارنة بنحو 26% قبل عام واحد فقط.
كما توقع المشاركون في الاستطلاع أن يتولى الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 ما يقرب من نصف القرارات التشغيلية داخل الشركات دون تدخل بشري مباشر.
برامج جامعية بتكاليف مرتفعة لتأهيل قادة الذكاء الاصطناعي
استجابت الجامعات الأميركية لهذا الطلب المتزايد من خلال طرح برامج تنفيذية متخصصة في قيادة الذكاء الاصطناعي، تستهدف المديرين التنفيذيين وأصحاب الخبرات الطويلة في قطاعات الأعمال المختلفة.
وقد التحقت نانسي شيبر، التي تمتلك خبرة 13 عاماً في وكالة “أوجيلفي” للإعلانات، ببرنامج رئيس الذكاء الاصطناعي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو، بتكلفة بلغت نحو 28 ألف دولار، بعد عودتها إلى سوق العمل عقب فترة انقطاع لتربية أطفالها.
وخلال البرنامج الذي امتد عشرة أشهر، أعدت شيبر استراتيجية تحول تعتمد على الذكاء الاصطناعي مكونة من 65 صفحة، مستفيدة من خبرتها السابقة في قطاع الإعلان.
جامعات أمريكية تتنافس على تدريب المتخصصين في الذكاء الاصطناعي
لم تقتصر برامج إعداد قادة الذكاء الاصطناعي على جامعة شيكاغو فقط، حيث أطلقت جامعات أميركية أخرى برامج مشابهة لتلبية احتياجات سوق العمل.
وتقدم جامعة ديوك برنامجاً يمتد ستة أشهر مقابل 25 ألف دولار، بينما توفر جامعة كارنيغي ميلون برنامجاً متخصصاً في قيادة البيانات والذكاء الاصطناعي لمدة سبعة أشهر بتكلفة تصل إلى 17.850 ألف دولار.
وتركز هذه البرامج على الجمع بين المعرفة التقنية والخبرة الإدارية، بهدف إعداد قادة قادرين على اتخاذ قرارات استراتيجية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
تحديات تواجه الشركات في تحديد دور رئيس الذكاء الاصطناعي
رغم الانتشار السريع للمنصب الجديد، لا تزال العديد من الشركات تواجه صعوبة في تحديد المسؤوليات الدقيقة لرئيس الذكاء الاصطناعي، خاصة مع اختلاف طبيعة الدور بين المؤسسات.
ويرى خبراء أن بعض الشركات سارعت إلى تعيين قادة للذكاء الاصطناعي وتخصيص ميزانيات كبيرة لهم، لكنها لم تحقق النتائج المتوقعة بسبب عدم وجود استراتيجية واضحة تحدد كيفية الاستفادة من هذه التقنيات.
الذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات والحوكمة
تركز برامج التدريب الحديثة على أن نجاح مشروعات الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل يرتبط بشكل أساسي بجودة البيانات ووجود أنظمة فعالة للحوكمة والأمن السيبراني.
وأوضح خبراء في المجال أن البيانات تمثل الأساس الذي تعتمد عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي، وأن أي نقص في جودة البيانات قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة مهما كانت قوة التقنية المستخدمة.
مهارات الإدارة والتواصل مفتاح نجاح قادة الذكاء الاصطناعي
لا يشترط معظم المشاركين في هذه البرامج أن يكونوا متخصصين تقنيين، إذ تضم الدورات مديرين تنفيذيين ونواب رؤساء يمتلكون خبرات طويلة في الإدارة والاستراتيجية.
ويركز التدريب على تطوير مهارات القيادة والتواصل، وربط أهداف مجالس الإدارة بفرق الهندسة والتطوير، إلى جانب فهم المخاطر المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
مستقبل منصب رئيس الذكاء الاصطناعي لا يزال غير واضح
رغم الاهتمام المتزايد بالمنصب الجديد، لا تزال التساؤلات قائمة حول استمراريته وشكله النهائي خلال السنوات المقبلة، خاصة مع سرعة تغير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويرى بعض الخبراء أن المؤسسات قد لا تحتاج بالضرورة إلى منصب مستقل يحمل اسم رئيس الذكاء الاصطناعي، لكنها ستحتاج بالتأكيد إلى قادة يمتلكون فهماً عميقاً للتكنولوجيا وقدرة على دمجها داخل نماذج الأعمال.




