ديب سيك أمام مجلس الأمن في مواجهة جديدة بين واشنطن وبكين بخصوص الذكاء الاصطناعي

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ملف تقني تدور نقاشاته داخل شركات التكنولوجيا ومراكز الأبحاث، بعدما أصبح حاضرا على أجندة القضايا المرتبطة بالأمن والسلم الدوليين. وفي هذا السياق، تستعد شركة «ديب سيك» الصينية للمشاركة في إحاطة يعقدها مجلس الأمن الدولي حول تداعيات الذكاء الاصطناعي على الأمن الدولي.

وتأتي مشاركة الشركة الصينية إلى جانب شركات أميركية بارزة، في خطوة تعكس انتقال التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين إلى أروقة الأمم المتحدة، وسط نقاش متزايد حول مستقبل النماذج المتقدمة ومخاطر استخدامها.

ديب سيك وشركات صينية أمام مجلس الأمن

وبحسب مصادر نقلت عنها «رويترز»، وُجهت دعوة إلى «ديب سيك» وشركات صينية أخرى، من بينها «مون شوت»، للمشاركة بمداخلات خلال جلسة مجلس الأمن المقرر عقدها الأربعاء.

ومن المنتظر ألا يحضر مؤسس «ديب سيك» ليانغ ون فنغ شخصيا، فيما لا تزال الترتيبات النهائية الخاصة بمشاركة الشركة قابلة للتغيير.

وتكتسب المشاركة أهمية خاصة في ظل حضور ممثلين عن أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية، ما يضع رؤى الشركات الصينية والأميركية في مواجهة مباشرة أمام الدبلوماسيين بشأن مستقبل التقنية ومخاطرها.

ألتمان وأنثروبيك ضمن المشاركين

ومن الجانب الأميركي، من المقرر أن يشارك سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، في الاجتماع، بينما يتوقع دبلوماسيون حضور مسؤولين كبار من شركة «أنثروبيك».

وتنعقد الجلسة برئاسة فرنسا، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن خلال شهر سبتمبر، فيما يرأس الاجتماع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.

وتسعى باريس إلى توجيه النقاش نحو المخاطر المحتملة المرتبطة بفقدان السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، فضلا عن احتمالات استخدام النماذج الحديثة في التخطيط لأعمال قد تؤثر على السلم والأمن الدوليين أو توظيفها في أنشطة ضارة.

مخاوف من فقدان السيطرة على الأنظمة المتقدمة

ومن المتوقع أن يركز ألتمان خلال الاجتماع على أهمية التعاون الدولي ووضع معايير مشتركة للسلامة، في ظل تحذيرات متزايدة داخل قطاع التكنولوجيا من أن الأنظمة المستقبلية قد تمتلك قدرات على تطوير نفسها أو اتخاذ قرارات يصعب على البشر التحكم فيها.

وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع اتساع النقاش حول كيفية التعامل مع النماذج الأكثر تقدما، وما إذا كانت آليات السلامة الحالية قادرة على مواكبة التطور السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي.

لماذا تحظى مشاركة ديب سيك بأهمية خاصة؟

لا تقتصر دلالة حضور «ديب سيك» على كونها شركة صينية تشارك للمرة الأولى في نقاش من هذا النوع، إذ تضع مشاركتها التصور الصيني لمخاطر الذكاء الاصطناعي أمام شركات أميركية تقود جانبا كبيرا من النقاش العالمي حول مستقبل النماذج المتقدمة.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه مسؤولون في شركات أميركية بصورة متكررة عن مخاطر الخداع وفقدان السيطرة والتهديدات الكارثية المحتملة، لم يطرح قادة شركات الذكاء الاصطناعي الصينية هذه السيناريوهات بالوتيرة نفسها في النقاشات العلنية.

خلاف حول قواعد الذكاء الاصطناعي

تصاعد الجدل خلال الفترة الماضية مع دعوات من جانب عدد من قادة صناعة التكنولوجيا إلى إبطاء تطوير الأنظمة الأكثر قوة بصورة منسقة، وهو ما قوبل بانتقادات في وسائل إعلام رسمية صينية اعتبرت هذه الدعوات انعكاسا لمنطق «الحرب الباردة» ومحاولة للحفاظ على التفوق الأميركي في التكنولوجيا.

وترى هذه الرؤية أن قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة تستبعد الصين من المشاركة في صياغة المعايير الدولية الخاصة بالتقنية.

ومن هذه الزاوية، تأتي مشاركة «ديب سيك» لتضيف صوتا صينيا إلى نقاش دولي تتزايد فيه المنافسة حول من يضع القواعد التي ستحكم مستقبل الذكاء الاصطناعي.

واشنطن وبكين.. رؤيتان لمخاطر الذكاء الاصطناعي

يعكس الخلاف بين الولايات المتحدة والصين اختلافا في طريقة تناول مخاطر الذكاء الاصطناعي. ففي واشنطن يتركز جزء من النقاش على احتمالات فقدان السيطرة على الأنظمة المتقدمة، إلى جانب مخاطر استخدامها في عمليات الرقابة أو أغراض ضارة.

في المقابل، تحذر بكين من إمكانية استخدام قواعد السلامة والحوكمة لتقييد تطورها التكنولوجي أو الحد من قدرتها على المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وتزداد أهمية النقاش داخل مجلس الأمن مع اتفاق مسؤولين أميركيين وصينيين على إجراء محادثات إضافية بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع استعداد الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ لإجراء محادثات.

لا اتفاق حتى الآن بين القوتين

ورغم استمرار قنوات الحوار بين واشنطن وبكين، فإن ذلك لا يعني التوصل إلى توافق بشأن كيفية إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي.

ويواصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التحذير من المخاطر المرتبطة بالتقنيات المتقدمة، في حين يرى ترامب أن القواعد والضوابط الحالية كافية، كما يعتبر أن التشكيك في سرعة تطوير الذكاء الاصطناعي قد يصب في مصلحة الصين.

مجلس الأمن ناقش الذكاء الاصطناعي سابقا

وليست هذه المرة الأولى التي يناقش فيها مجلس الأمن مخاطر الذكاء الاصطناعي، إذ شهد عام 2023 أول جلسة مخصصة لهذه القضية، عندما حذرت الصين من تحول التقنية إلى ما وصفته بـ«حصان جامح»، بينما أثارت الولايات المتحدة مخاوف بشأن استخدامها في المراقبة وقمع الأفراد.

لكن الجلسة الحالية تحمل بعدا مختلفا، نظرا إلى مشاركة شركات التكنولوجيا نفسها التي تقود سباق تطوير النماذج المتقدمة.

وبذلك يتوسع النقاش من سؤال يتعلق بكيفية استخدام الدول للذكاء الاصطناعي، إلى قضية أخرى تتعلق بقدرة الشركات المطورة للتقنية على ضمان بقاء أنظمتها تحت السيطرة ووضع آليات أمان فعالة لها.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى ملف للأمن والنفوذ

وتشير مشاركة «ديب سيك» في اجتماع مجلس الأمن إلى أن الذكاء الاصطناعي تجاوز حدود القطاع التكنولوجي ليصبح جزءا من معادلات القوة والأمن والنفوذ الدولي.

ورغم أن حضور الشركة لا يمنحها دورا في اتخاذ قرارات مجلس الأمن، فإنه يعكس اتساع دائرة الأطراف المشاركة في رسم مستقبل التقنية، ويؤكد أن الصراع حول قواعد الذكاء الاصطناعي لن يظل محصورا داخل شركات التكنولوجيا ومختبرات الأبحاث، بل أصبح موضوعا مطروحا على طاولة الدبلوماسية الدولية.

 

إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2183

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *