تقرير| الذكاء الاصطناعي يغير القواعد.. لماذا لا يجب التخلي عن الفنون؟

دعا إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي تسلا وSpaceX، الشباب إلى عدم التخلي عن دراسة الفنون والعلوم الإنسانية في ظل التوسع السريع للذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن التعليم الأكثر فائدة في السنوات المقبلة هو التعليم واسع المجالات الذي يجمع بين المعرفة التقنية والقدرات الإبداعية والثقافة العامة.

وجاءت تصريحات ماسك في وقت يتزايد فيه استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل مجالات الإبداع، ومنها الفن والأزياء والسينما والموسيقى، وهو ما يثير نقاشًا متواصلًا حول المهارات التي يحتاج إليها الشباب لمواكبة التحولات التي تفرضها هذه التقنيات.

إيلون ماسك: لا تتركوا الفنون خلفكم

وخلال مقابلة مع مجموعة الإعلام الصينية في المقر العالمي للهندسة التابع لشركة تسلا في ولاية كاليفورنيا، نُشرت في 25 سبتمبر 2026، سُئل ماسك عن الطريقة التي يمكن لشاب يبلغ 20 عامًا من خلالها تحقيق أقصى استفادة من قدراته وتجنب التخلف عن الركب خلال التحول الكبير الذي يقوده الذكاء الاصطناعي.

ورد ماسك بالتوصية بالحصول على تعليم واسع ومتعدد المجالات، بدلًا من التركيز على تخصص تقني واحد فقط.

تعليم يجمع بين الفنون والعلوم والهندسة

وقال ماسك إن توصيته للشباب تتمثل في الحصول على تعليم واسع قدر الإمكان، يشمل الفنون والعلوم والهندسة، إلى جانب امتلاك معرفة عامة واسعة.

وأوضح أن هذا التنوع المعرفي لن يكون مهمًا فقط لفهم العالم، بل سيساعد الأشخاص أيضًا على التواصل بصورة أفضل مع الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا.

المعرفة الواسعة تساعد على التعامل مع الذكاء الاصطناعي

وأشار ماسك إلى أن القدرة على صياغة الأسئلة بصورة دقيقة ستكون مهارة مهمة في التعامل مع الروبوتات والذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن الشخص الذي يمتلك معرفة عامة واسعة سيكون أكثر قدرة على تحديد ما يريد طلبه من الأنظمة الذكية وصياغة الأسئلة المناسبة، وهو ما وصفه في حديثه بمفهوم «هندسة الأوامر» أو Prompt Engineering.

الذكاء الاصطناعي يغير مستقبل الإبداع

تأتي تصريحات ماسك في الوقت الذي تتوسع فيه أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الصناعات الإبداعية، إذ باتت التقنيات الحديثة تستخدم في إنتاج الصور والفيديو والنصوص والموسيقى وغيرها من أشكال المحتوى.

كما بدأت دور الأزياء واستوديوهات الإنتاج السينمائي والموسيقي في تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن مراحل مختلفة من عمليات التصميم والإنتاج، ما يغير بعض أساليب تنفيذ الأعمال الإبداعية ويفتح نقاشًا حول طبيعة المهارات المطلوبة في المستقبل.

ماسك يتوقع انتشار الروبوتات البشرية

وتطرق ماسك خلال المقابلة أيضًا إلى مستقبل الروبوتات البشرية، مشيرًا إلى أن التطور في أجهزة الاستشعار والكاميرات والمحركات وتقنيات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي يساعد الروبوتات على اكتساب قدرات متزايدة.

وقال إن المستقبل سيشهد وجود أعداد كبيرة من الروبوتات، متوقعًا أن تصبح الروبوتات البشرية منتشرة على نطاق واسع خلال مدة لا تتجاوز 10 سنوات.

هل يحتاج الشباب إلى المهارات التقنية فقط؟

يتزامن هذا النقاش مع إعادة المدارس والجامعات النظر في طبيعة التعليم الإبداعي في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية تعليم الطلاب استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وتشير أبحاث حديثة إلى أهمية امتلاك الطلاب المعرفة اللازمة لتقييم نتائج الذكاء الاصطناعي ومراجعتها وتحسينها، بدلًا من الاعتماد على المحتوى الذي تنتجه هذه الأدوات دون تدخل بشري.

تقرير دولي يبرز أهمية التفكير النقدي

ويشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» حول آفاق التعليم الرقمي لعام 2026 إلى أن الطلاب قد يحققون أداء أفضل في بعض المهام عند استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق مكاسب تعليمية مماثلة.

كما يشير التقرير إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم الإبداع والتفكير النقدي والتعاون، عندما يتم توظيفه وفق أهداف تعليمية واضحة.

دراسة في تعليم الفن: الإنتاج لم يعد كافيًا

وتوصلت ورقة بحثية منشورة عام 2026 حول تعليم الفن في عصر الذكاء الاصطناعي إلى أن سهولة إنتاج المحتوى الإبداعي بواسطة الذكاء الاصطناعي تجعل القدرة على تقييم جودة هذا المحتوى وتحديد التعديلات المطلوبة أكثر أهمية.

وتطرح الدراسة مفهوم «التكرار الإبداعي النقدي»، الذي يقوم على دورة مستمرة من الإنتاج والتقييم وإعادة الإنتاج، باعتبارها مهارة مهمة في العملية الإبداعية الجديدة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة البحثية ذات طبيعة نظرية ومفاهيمية، وليست دراسة تجريبية تقدم نتائج ميدانية جديدة.

الذكاء الاصطناعي لا يضمن تحسين الأداء الفني

وفي دراسة أخرى عام 2026 شملت 133 طالبًا جامعيًا في مجال الفنون، ارتبط استخدام الذكاء الاصطناعي بزيادة الشعور بالدعم وتحسن نقل المهارات، إلا أن ذلك لم يترافق مع تحسن في الأداء الفني النهائي للطلاب.

كما وجدت الدراسة أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج المحتوى ارتبط بانخفاض مستوى «المؤلفية» الفنية التي جرى تقييمها، ما يشير إلى أن مساهمة الطالب وقراراته الإبداعية قد تصبح أقل وضوحًا في العمل النهائي عندما يكون الذكاء الاصطناعي جزءًا كبيرًا من عملية الإنتاج.

ونشرت الدراسة في مجلة Frontiers in Psychology.

مدارس الفن تدمج الذكاء الاصطناعي مع الإبداع

ولا تتجه المؤسسات التعليمية الفنية بالضرورة إلى رفض الذكاء الاصطناعي، بل بدأت بعض المدارس والجامعات في استكشاف كيفية دمجه مع الممارسة الفنية والتكنولوجيا الإبداعية والأخلاقيات.

وأشار تقرير لليونسكو حول الذكاء الاصطناعي والثقافة لعام 2025 إلى برامج ومبادرات في مؤسسات تعليمية وفنية، من بينها Ringling College of Art and Design وRhode Island School of Design وMIT وNew York University، تبحث في العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والممارسة الإبداعية.

مستقبل التعليم يجمع التكنولوجيا والإبداع

وتشير هذه التطورات إلى أن دور التعليم الفني قد يكون في مرحلة تحول بدلًا من الاختفاء، مع تزايد حاجة الطلاب إلى الجمع بين المعرفة التقنية والقدرة على فهم الثقافة واتخاذ القرارات الإبداعية وتقييم مدى ملاءمة النتائج التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، تعكس دعوة إيلون ماسك إلى التعليم واسع المجالات سؤالًا أوسع يواجه أنظمة التعليم حول العالم: كيف يمكن الجمع بين تعلم التقنيات الجديدة والمهارات الإنسانية التي تتيح استخدامها بفاعلية ومسؤولية؟

 

إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1581

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *