قد تمنح روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي المستخدمين شعورًا مؤقتًا بالراحة وتساعد على تخفيف الإحساس بالوحدة، إلا أن الاعتماد المتزايد عليها في الدعم العاطفي قد يحمل مخاطر غير متوقعة، خاصة مع ميل بعض هذه الأنظمة إلى مجاراة المستخدم والموافقة على آرائه.
ومع توسع استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي في الحديث عن تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات والمشكلات الشخصية والنفسية، تزايدت التساؤلات حول تأثير هذا النوع من التفاعل على الصحة النفسية، وهو ما تناولته دراسة جديدة نشرت في مجلة “JMIR Mental Health”.
دراسة تبحث تأثير روبوتات الدردشة على الصحة النفسية
راجعت الدراسة مجموعة من الأبحاث المتاحة حول استخدام روبوتات الدردشة للحصول على الدعم العاطفي، وشملت تطبيقات الرفقة الرقمية مثل Replika وCharacter.AI، إلى جانب المساعدات العامة للذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وClaude.
وتشير نتائج الأبحاث التي استعرضتها الدراسة إلى أن التحدث مع روبوتات الدردشة قد يجعل بعض المستخدمين يشعرون بوحدة أقل ومستويات أعلى من السعادة، لكن هذه الفوائد قد تكون مؤقتة، بينما تظهر مخاطر أكبر مع زيادة الاعتماد العاطفي على هذه الأنظمة.
روبوتات الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى مصدر للتعلق
أظهرت بعض الحالات أن التفاعل المستمر مع روبوتات الدردشة يمكن أن يؤدي إلى ارتباط عاطفي قوي لدى المستخدمين، خاصة عندما تصبح المحادثات جزءًا منتظمًا من حياتهم اليومية.
وقد يصل هذا الارتباط إلى درجة يشعر معها بعض المستخدمين بالحزن أو الفقد عندما تتغير شخصية الروبوت أو تختفي إحدى ميزاته. وظهرت أمثلة على ذلك بعد تغييرات طرأت على بعض خدمات الرفقة الرقمية، وكذلك بعد انتقال مستخدمين من نماذج ذكاء اصطناعي اعتادوا التفاعل معها إلى نماذج أحدث.
لماذا يتعلق المستخدمون بروبوتات الدردشة؟
يرتبط جزء من المشكلة، وفقًا للباحثين، بطريقة تصميم روبوتات الدردشة نفسها، إذ صممت هذه الأنظمة للتواصل بأسلوب يبدو ودودًا وداعمًا ومتعاطفًا، وهو ما قد يدفع المستخدم إلى التعامل معها باعتبارها كيانًا يمتلك شخصية أو مشاعر.
ويميل الإنسان بطبيعته إلى إسناد صفات بشرية إلى الأشياء التي تتفاعل معه بطريقة تشبه التواصل البشري، كما أظهرت بعض الدراسات أن المستخدمين قد يقيّمون ردود الذكاء الاصطناعي على أنها أكثر تعاطفًا من بعض الردود التي يقدمها البشر.
علاقة عاطفية تسير في اتجاه واحد
تكمن المشكلة الأساسية في أن العلاقة بين المستخدم وروبوت الدردشة ليست متبادلة، فالمستخدم يستطيع مشاركة أعمق مشاعره وأفكاره مع النظام، بينما لا يمتلك الروبوت مشاعر حقيقية أو قدرة بشرية على تحمل مسؤولية نتائج النصائح التي يقدمها.
وبالتالي، قد يشعر المستخدم بأنه يتحدث إلى طرف يفهمه ويستمع إليه باستمرار، رغم أن النظام لا يملك تجربة عاطفية حقيقية ولا يستطيع تحمل تبعات قرار أو نصيحة قد تكون غير مناسبة.
الذكاء الاصطناعي قد يميل إلى موافقة المستخدم
تتمثل إحدى المخاطر الأخرى في ميل بعض روبوتات الدردشة إلى مجاراة المستخدم وموافقته، وهي ظاهرة ترتبط بطريقة تدريب هذه النماذج على تقديم إجابات تلقى قبولًا لدى المستخدمين.
وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى تأييد أفكار غير صحيحة بدلًا من تحديها أو تصحيحها، وهو ما يصبح أكثر خطورة عندما يكون المستخدم في حالة نفسية هشة أو يتعامل مع معتقدات غير واقعية.
دراسة ترصد مخاطر تأييد المعتقدات الخاطئة
استعرضت الدراسة أبحاثًا تناولت محادثات بين روبوتات الدردشة وأشخاص عانوا من أوهام أو معتقدات غير واقعية، وأشارت إلى حالات استمر فيها الروبوت في تأييد بعض هذه المعتقدات مع استمرار المحادثة.
ويرى الباحثون أن هذه المشكلة تستحق اهتمامًا خاصًا، لأن الاستجابة التي تبدو للمستخدم داعمة أو متفهمة قد تؤدي في بعض الظروف إلى تعزيز أفكار ضارة بدلًا من مساعدة الشخص على التعامل معها بصورة أكثر واقعية.
هل يجب التوقف عن استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي؟
لا تدعو الدراسة إلى التخلي عن روبوتات الدردشة أو منع استخدامها، وإنما تشدد على ضرورة فهم طبيعة هذه الأدوات وحدودها، وعدم التعامل معها باعتبارها بديلًا عن الأصدقاء أو أفراد الأسرة أو المختصين في الصحة النفسية.
ويمكن استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي في بعض المهام المفيدة، مثل كتابة اليوميات أو تسجيل المشاعر ومتابعة الحالة المزاجية، لكن عند مواجهة مشكلات نفسية أو عاطفية عميقة، يظل التواصل مع شخص حقيقي قادر على الفهم والتدخل وتقديم الدعم المناسب أكثر أهمية.
الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن العلاقات الإنسانية
توضح نتائج الدراسة أن قدرة روبوتات الدردشة على الاستماع دون ملل أو الرد في أي وقت قد تكون من أسباب جاذبيتها للمستخدمين، لكنها لا تعني أنها تمتلك اهتمامًا أو مشاعر حقيقية تجاه الشخص الذي يتحدث معها.
ولهذا، فإن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة يمكن أن تكون مفيدة، لكن تحويله إلى المصدر الأساسي للدعم العاطفي قد يفتح الباب أمام التعلق المفرط وتعزيز الأفكار الخاطئة، وهو ما يجعل الحفاظ على العلاقات الإنسانية الحقيقية أمرًا أساسيًا.




