تقرير| الذكاء الاصطناعي يدخل غرف العمليات.. جراحون يختبرون مستقبل الجراحة

في غرفة عمليات مضاءة بعناية داخل مستشفى تورنتو العام في كندا، كان جراحان يعملان على استئصال مرارة لسيدة في صباح ربيعي، بينما بدأت تقنية جديدة للذكاء الاصطناعي في مراقبة تفاصيل العملية لحظة بلحظة.

وخلال الجراحة، وفق تقرير نشرته “نيويورك تايمز”،  طلب الدكتور أمين مدني، جراح الغدد الصماء والرعاية الحادة، تشغيل نظام الذكاء الاصطناعي، لتظهر على شاشة كبيرة صورة حية للمنطقة التي يعمل فيها الجراح داخل جسم المريضة، مصحوبة ببقع خضراء وحمراء تحدد المناطق الآمنة وغير الآمنة للقطع.

الذكاء الاصطناعي يحدد مناطق الخطر أثناء الجراحة

يعتمد النظام على الذكاء الاصطناعي لتحليل الصورة القادمة من الكاميرا الموجودة داخل جسم المريضة، بهدف مساعدة الجراح على تحديد المناطق التي يمكن العمل فيها بأمان وتلك التي ينبغي تجنبها.

ويعمل مدني منذ فترة على تدريب النموذج ليحاكي طريقة تفكير أفضل الجراحين وخبراتهم أثناء التعامل مع الحالات المعقدة.

لكن الدكتور تيموثي جاكسون، زميل مدني في غرفة العمليات، أشار إلى أن النظام قد يحتاج إلى إضافة لون ثالث، هو الأصفر، للدلالة على المناطق التي تتطلب دائمًا حكمًا بشريًا ولا يمكن لأي خوارزمية أن تحاكي طريقة اتخاذ القرار فيها بصورة كاملة.

كندا توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب

تمثل غرف العمليات واحدة من أحدث المجالات التي تختبر فيها كندا إمكانات الذكاء الاصطناعي، في وقت تتمتع فيه البلاد بسمعة عالمية في تطوير هذه التكنولوجيا واحتضان عدد من أبرز روادها.

وتنفق كندا مبالغ كبيرة على الرعاية الصحية مقارنة بالعديد من الدول المتقدمة، لكن نظامها الصحي الشامل والممول بصورة أساسية من الضرائب يواجه تحديات، أبرزها طول فترات الانتظار للحصول على طبيب أسرة ونقص أسرّة المستشفيات.

ولهذا السبب، تبدو قدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين جودة الرعاية الصحية وخفض تكاليفها فرصة جذابة للحكومة الكندية.

استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي في كندا

كشف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي خلال فعالية أقيمت في مستشفى تورنتو العام، الذي يصنف ضمن أفضل المستشفيات في العالم.

وأكد كارني أن الاستراتيجية تهدف إلى الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحسين حياة المواطنين، بل والمساهمة في إنقاذ الأرواح.

وتأتي هذه الخطوة أيضًا في إطار مساعي كندا لتعزيز استقلالها التكنولوجي وعدم البقاء في ظل وادي السيليكون، خصوصًا في ظل التوترات التي شهدتها العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة.

كندا تراهن على تاريخها في الابتكار الطبي

لا تبدأ طموحات كندا في مجال التكنولوجيا الطبية من الصفر، إذ تمتلك البلاد تاريخًا طويلًا في مجال البحث السريري والابتكار الطبي، ومن بين إنجازاتها تطوير أول روبوت جراحي في العالم وإجراء أول عملية ناجحة لزراعة الرئة.

والآن، ينتقل الباحثون الكنديون إلى مرحلة جديدة من اختبار قدرات الذكاء الاصطناعي باستخدام أدوات الجراحة نفسها، في محاولة لمعرفة مدى قدرة الخوارزميات على مساعدة الأطباء داخل غرف العمليات.

من تدريب الجراحين إلى تدريب الذكاء الاصطناعي

يعتمد تدريب الجراحين منذ عقود على نموذج يقوم على الملاحظة والممارسة والتدريس، إذ يتابع الطبيب المبتدئ جراحًا أكثر خبرة، ثم يبدأ في إجراء العمليات بنفسه، قبل أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها قادرًا على تدريب زملائه.

وخلال السنوات الأخيرة، ركز الدكتور أمين مدني، البالغ من العمر 40 عامًا، على دراسة الطريقة التي يتعلم بها الجراحون، بما في ذلك عمليات التفكير والجانب النفسي والسلوكي والمهارات التي تميز الجراحين الأكثر كفاءة داخل غرفة العمليات.

وخلال جائحة كورونا، عندما توقفت أو تقلصت العمليات الجراحية في العديد من غرف العمليات، طور مدني أدوات لتدريب الأطباء المقيمين على قراءة المجال الجراحي بصريًا، بطريقة تشبه تدريب الطيارين باستخدام أجهزة المحاكاة.

تسجيل العمليات يساعد في تطوير خوارزميات الجراحة

مع ظهور الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، وجد مدني أن الأبحاث التي أجراها سابقًا توفر قاعدة مناسبة لتدريب الخوارزميات على التفكير والتصرف بطريقة تحاكي الجراحين ذوي الخبرة.

وقال مدني إن عمله السابق كان بمثابة إعداد مثالي لتدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التفكير والتصرف مثل الجراحين الخبراء.

ويعمل مدني من خلال أكاديمية أبحاث الذكاء الاصطناعي الجراحي التي أسسها في شبكة الصحة الجامعية، وهي مجموعة مستشفيات وأبحاث وتعليم عامة في تورنتو.

وتعتمد النماذج التي يطورها مختبره على تسجيل عمليات المنظار، حيث توفر الكاميرات الصغيرة التي تدخل الجسم من خلال شقوق محدودة مقاطع فيديو يمكن استخدامها في تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يساعد في عمليات استئصال المرارة

كان أحد أوائل النماذج التي طورها مختبر مدني مخصصًا لعملية استئصال المرارة، وهي من العمليات الشائعة، بهدف زيادة دقة الجراحة وتقليل احتمالات إصابة القناة الصفراوية.

وتعد إصابات القناة الصفراوية من المضاعفات النادرة، لكنها تمثل أحد أبرز أسباب دعاوى المسؤولية الطبية ضد جراحي الجراحة العامة في كندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وفق دراسة علمية محكمة منشورة عام 2025.

ورغم أن استئصال المرارة يعد إجراءً جراحيًا روتينيًا، فإن الجراح قد يخطئ في قراءة التشريح بسبب عدم الانتباه أو الثقة الزائدة، وهي فجوة تحاول أدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة في تقليصها.

الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الجراح

يرى نيكولا بادو، المدير العلمي لمعهد الجراحة الموجهة بالصور في ستراسبورج الفرنسية، الذي يجري أبحاثًا مماثلة، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد في تقليل الأخطاء الناتجة عن سوء قراءة التفاصيل التشريحية أثناء العمليات.

لكن التجربة الكندية تكشف في الوقت نفسه عن حدود التكنولوجيا، إذ يرى الأطباء أن هناك مناطق وقرارات داخل غرفة العمليات لا يمكن تركها بالكامل للخوارزميات.

ولهذا، قد يكون اللون الأصفر المقترح إلى جانب المناطق الخضراء والحمراء رمزًا مهمًا لحدود الذكاء الاصطناعي في الجراحة؛ فهناك مواقف تحتاج إلى خبرة الطبيب وحكمه البشري، حتى مع تطور الخوارزميات وقدرتها على تحليل الصور والبيانات في الوقت الحقيقي.

وتشير هذه التجارب إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في غرف العمليات قد لا يقوم على استبدال الجراح، وإنما على تزويده بمساعد رقمي قادر على تحليل المجال الجراحي والتنبيه إلى المخاطر ومساندة القرار الطبي في الوقت المناسب.

 

إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2245

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *