لم تعد الزيادة أو الخسارة بعشرات المليارات من الدولارات في ثروات كبار المليارديرات حدثًا استثنائيًا كما كان قبل سنوات قليلة، بعدما دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة تقودها طفرة الذكاء الاصطناعي، وتحوّلت الشركات المرتبطة بهذه التقنية إلى محرك رئيسي لإعادة تسعير الثروات والأسواق.
وخلال أقل من شهر، أضاف جيف بيزوس أكثر من 100 مليار دولار إلى ثروته، بينما قفزت ثروة مارك زوكربيرغ بنحو 55 مليار دولار، في المقابل تراجعت ثروة لاري إليسون بما يقارب 200 مليار دولار مقارنة بأعلى مستوياتها التاريخية.
وتكشف هذه التحركات الضخمة عن مشهد غير مسبوق في الأسواق المالية، إذ تتأرجح ثروات كبار رجال الأعمال بعشرات المليارات، بينما تتجاوز القيمة السوقية لشركات كبرى تريليونات الدولارات، في ظل سباق عالمي على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة لتشغيله.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف قيمة الشركات
يختلف المشهد الحالي عن دورات التكنولوجيا السابقة، فخلال طفرة الإنترنت في مطلع الألفية كانت الشركات تقاس بدرجة كبيرة بعدد المستخدمين والإيرادات المتوقعة، بينما أصبحت التقييمات في الوقت الراهن مرتبطة بالقدرة المستقبلية للذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل قطاعات كاملة.
وتشمل هذه التحولات الحوسبة السحابية والتصنيع والبحث والإعلانات والإعلام، إلى جانب مراكز البيانات والنماذج الذكية والبنية التحتية الحاسوبية.
عصر الشركات التي تتجاوز قيمتها تريليون دولار
وصل عدد الشركات الأميركية التي تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، وتتصدر شركات التكنولوجيا المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالذكاء الاصطناعي هذا المشهد.
وتخوض شركات مثل ميتا وأمازون وألفابت وإنفيديا ومايكروسوفت وأوراكل سباقًا عالميًا لبناء مراكز البيانات وتطوير النماذج الذكية وتوفير البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وانعكس هذا السباق بصورة مباشرة على ثروات المؤسسين والمساهمين الكبار، بعدما أصبحت أي حركة كبيرة في قيمة هذه الشركات قادرة على إضافة عشرات المليارات إلى ثروات أصحاب الحصص الكبرى.
بيزوس يضيف 102 مليار دولار في شهر
بحسب تقديرات فوربس، قفزت ثروة جيف بيزوس بنحو 102 مليار دولار خلال سبتمبر وحده، بعدما ارتفعت التقييمات الخاصة لشركتيه بلو أوريغين وPrometheus.
ودفع هذا الارتفاع بيزوس مجددًا إلى المركز الثاني عالميًا بين أصحاب المليارات، بثروة قاربت 370 مليار دولار.
واللافت أن الجزء الأكبر من هذه الزيادة لم ينتج عن ارتفاع سهم أمازون، وإنما جاء من إعادة تقييم شركات خاصة غير مدرجة في البورصة.
الثروة الورقية تدخل عصرًا جديدًا
في الماضي كان أداء الأسهم المدرجة يمثل المؤشر الأبرز لتحركات ثروات كبار المستثمرين، لكن صعود شركات الذكاء الاصطناعي والفضاء والبنية التحتية الخاصة غيّر هذه المعادلة.
فعندما نجحت بلو أوريغين في جذب استثمارات رفعت تقييمها إلى أكثر من 130 مليار دولار، وحصلت Prometheus على تقييم تجاوز 41 مليار دولار، انعكس ذلك مباشرة على صافي ثروة بيزوس.
ولم يكن ذلك يعني أن بيزوس باع أصولًا أو حصل على هذه الأموال نقدًا، وإنما ارتفعت قيمة حصصه على الورق نتيجة زيادة تقييم الشركات التي يمتلكها.
وهكذا أصبح تقييم شركة خاصة واحدة قادرًا على إضافة أو محو عشرات المليارات من الدولارات من ثروة أحد أغنى رجال العالم خلال فترة قصيرة.
زوكربيرغ يستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي
في المقابل، جاءت الزيادة الكبيرة في ثروة مارك زوكربيرغ بصورة أساسية من السوق العامة، بعدما ارتفع سهم ميتا بأكثر من 30% خلال سبتمبر.
وجاء صعود السهم مدفوعًا بحماس المستثمرين تجاه استراتيجية الشركة في الذكاء الاصطناعي والمساعد الشخصي الجديد «موس»، وهو ما انعكس على ثروة مؤسس ميتا التي ارتفعت بنحو 55 مليار دولار خلال شهر واحد وفق تقديرات فوربس.
وتعكس هذه القفزة مدى تحول أسواق الأسهم إلى مؤشر يومي على توقعات المستثمرين بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن أن يؤدي تغير نظرة السوق إلى شركة واحدة إلى تحريك ثروة مؤسسها بعشرات المليارات خلال فترة قصيرة.
لاري إليسون يكشف الوجه الآخر للطفرة
لكن موجة الذكاء الاصطناعي لا تصنع الثروات دائمًا، إذ يمثل لاري إليسون، مؤسس أوراكل، الوجه الآخر لهذه المعادلة.
فقد اقتربت ثروة إليسون في ذروة موجة الذكاء الاصطناعي من 400 مليار دولار، مدفوعة بالصعود التاريخي لسهم أوراكل، قبل أن تتراجع لاحقًا بما يقارب 200 مليار دولار مقارنة بأعلى مستوياتها.
وجاءت الخسائر في ظل تراجع سهم أوراكل وظهور تساؤلات لدى المستثمرين بشأن حجم الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والعائد المتوقع من هذه الاستثمارات.
وتوضح هذه الحالة أن الثروات التي ترتفع بسرعة غير مسبوقة يمكن أن تتراجع بالسرعة نفسها عندما تتغير توقعات الأسواق بشأن مستقبل الشركات.
لماذا أصبحت تحركات ثروات المليارديرات ضخمة؟
هناك ثلاثة عوامل رئيسية تفسر اتساع نطاق التحركات في ثروات كبار رجال الأعمال.
أولها تضخم حجم الشركات نفسها، فارتفاع قيمة شركة تبلغ قيمتها السوقية تريليوني دولار بنسبة 10% يعني إضافة 200 مليار دولار إلى قيمتها، وهو رقم كان قبل عقدين كافيًا لوضع شركة كاملة بين أكبر الشركات عالميًا.
أما العامل الثاني فيتمثل في تركّز الملكية، إذ لا يزال مؤسسو شركات التكنولوجيا يحتفظون بحصص ضخمة في شركاتهم، ولذلك تنتقل أي حركة كبيرة في القيمة السوقية إلى ثرواتهم الشخصية بصورة مباشرة.
ويتمثل العامل الثالث في دخول الشركات الخاصة العملاقة إلى معادلة الثروة، بعدما لم يعد من الضروري انتظار الإدراج في البورصة حتى تصل قيمة شركات الفضاء والبنية التحتية والنماذج الذكية إلى عشرات أو مئات المليارات من الدولارات.
اقتصاد جديد قائم على التوقعات
ورغم ضخامة الأرقام، فإن هذه الزيادات والخسائر لا تعكس بالضرورة أموالًا نقدية دخلت حسابات المليارديرات أو خرجت منها.
فالزيادة البالغة 102 مليار دولار في ثروة بيزوس لا تعني أنه حصل على هذا المبلغ نقدًا، كما أن خسارة إليسون نحو 200 مليار دولار مقارنة بذروة ثروته لا تعني أن هذا المبلغ غادر حساباته المصرفية.
إنها في الأساس انعكاس للتغير في تقييم الأصول وحصص الملكية، وبالتالي لتغير قناعة المستثمرين بشأن ما يمكن أن تصبح عليه الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
قائمة المليارديرات تتحول إلى مؤشر للذكاء الاصطناعي
أصبحت قوائم ثروات المليارديرات ومؤشرات الأسواق تعكس جانبًا من توقعات المستثمرين بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي.
فعندما يقتنع المستثمرون بأن شركة ما ستكون من الفائزين في السباق، ترتفع قيمتها السوقية، وتنعكس الزيادة على ثروات مؤسسيها ومساهميها الكبار.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي تغير التوقعات بشأن الإنفاق أو العوائد أو قدرة الشركات على تحقيق أرباح مستقبلية إلى محو عشرات أو حتى مئات المليارات من الدولارات من الثروات المقدرة.
وبين هذه التحركات الحادة، يبدو أن الاقتصاد العالمي يعيش واحدة من أكبر عمليات إعادة تسعير الثروة منذ ظهور الإنترنت، لكن بأرقام قياسية تعكس الحجم الهائل للشركات والتوقعات المتزايدة بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.




