الذكاء الاصطناعي يثير الجدل في انتخابات أميركا.. إعلانات مفبركة بملايين الدولارات

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي المقررة في 3 نوفمبر، يتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الإعلانات السياسية، وسط مخاوف من انتشار الصور ومقاطع الفيديو المفبركة والمعلومات المضللة التي تستهدف التأثير في الناخبين.

وأطلق باحثون على هذه الظاهرة اسم «سلوباغاندا» (Slopaganda)، وهو مصطلح يجمع بين المحتوى الرديء الذي تنتجه تقنيات الذكاء الاصطناعي والدعاية السياسية المضللة. ورغم انتشار هذه الممارسات بين الجمهوريين والديمقراطيين، تشير بيانات بحثية إلى أن الجمهوريين يتصدرون الإنفاق على هذا النوع من الإعلانات.

إعلانات مفبركة تستهدف مرشحين سياسيين

من بين الأمثلة التي أثارت الجدل إعلان يستهدف عبد السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ويظهره وهو يمارس لعبة على جهاز لوحي تتضمن بطاقات تحمل عبارات مثل «الموت لأميركا» و«لنحتفل بـ11 سبتمبر»، في محاولة لربطه بشعارات مناهضة للولايات المتحدة وبالهجمات التي وقعت عام 2001.

وفي صورة عائلية مفبركة، يظهر المرشح، وهو مسلم من أصول مصرية، إلى جانب أربع نساء يرتدين ملابس إسلامية تغطي أجسادهن بالكامل. ويرافق الصورة تعليق صوتي يقول إن «تدمير إسرائيل والغرب ليس مجرد لعبة بالنسبة إليهم، بل مهمة».

وتقف منظمة سياسية مقربة من السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس تيد كروز وراء نشر الإعلان، الذي يتضمن تنويهًا يفيد بأنه أُنشئ كليًا أو جزئيًا بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

وتكشف هذه الواقعة عن توظيف الصور والمقاطع المصطنعة في حملات تستهدف إثارة المخاوف والانقسامات السياسية، خصوصًا عندما تُستخدم الرموز الدينية والهويات الشخصية لتوجيه اتهامات أو ترسيخ صور نمطية لدى الناخبين.

220 إعلانًا سياسيًا بتكلفة تتجاوز 137 مليون دولار

رصد مشروع ويسليان الإعلامي، الذي يتابع الإنفاق الإعلاني في الانتخابات الأميركية، نحو 220 إعلانًا سياسيًا أُعدت جزئيًا على الأقل باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع الإشارة إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من ذلك.

ووفق بيانات المشروع، موّل مرشحون أو منظمات مقربة من الجمهوريين نحو 81% من هذه الإعلانات، مقابل 12% للديمقراطيين، بينما جاء التمويل المتبقي من مرشحين أو جماعات مستقلة.

وقدّر المشروع تكلفة توزيع الإعلانات بأكثر من 137 مليون دولار، مقارنة بإنفاق لم يتجاوز 50 ألف دولار على الإعلانات المنشأة بالذكاء الاصطناعي خلال عام 2024، في مؤشر على اتساع استخدام هذه التقنية في الدعاية الانتخابية.

غياب الإفصاح يثير مخاوف من التضليل

تقول إريكا فرانكلين فاولر، المديرة المشاركة لمشروع ويسليان الإعلامي، إن 27% فقط من الإعلانات التي رصدها المشروع تتضمن إشارة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، وهو ما يثير مخاوف بشأن قدرة الجمهور على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصطنع.

ورغم أن بعض الولايات الأميركية فرضت قيودًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في الانتخابات، لا توجد قواعد اتحادية عامة تلزم الحملات بإضافة تنويه يكشف استخدام هذه التقنية في الإعلانات السياسية.

ويمنح هذا الوضع الحملات مساحة أوسع لنشر محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي دون توضيح مصدره أو طبيعته، بما قد يصعّب على الناخبين تقييم مصداقية المعلومات التي يتعرضون لها خلال الموسم الانتخابي.

فيديوهات مزيفة تدفع سياسيين إلى المطالبة بإزالتها

امتدت المخاوف إلى إعلانات تستهدف مسؤولين حاليين ومرشحين لإعادة انتخابهم. فقد طالب عضو في الكونغرس عن ولاية جورجيا بإزالة إعلان مفبرك يظهره وهو يتلقى علاجات داخل صالون تجميل، مع اتهامه بتلفيق سجله السياسي، من دون الإشارة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المقطع.

وتقف وراء الإعلان مجموعة «صندوق قيادة مجلس الشيوخ»، التي تعمل لدعم المرشحين الجمهوريين لمجلس الشيوخ.

وفي السياق نفسه، وصف السيناتور الديمقراطي جون أوسوف استخدام الفيديوهات المفبركة في الحملات الانتخابية بأنه أمر «مقلق للغاية»، محذرًا في تصريحات لشبكة «سي سبان» من أنه يمثل «منحدرًا زلقًا نحو تدمير الحقيقة في النقاش السياسي».

نحو 73 % يرفضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الدعاية الانتخابية

يتزايد الجدل حول الإعلانات السياسية المولدة بالذكاء الاصطناعي في وقت تتراجع فيه ثقة الجمهور بهذه التقنية. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة «إي إي بي سي» (AAPC) أن 73% من المشاركين يرون أن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور أو مقاطع فيديو ضمن الحملات الانتخابية أمر غير مقبول.

وتشير هذه النتيجة إلى فجوة بين توسع الحملات السياسية في استخدام الأدوات الجديدة ومخاوف الناخبين من توظيفها في إنتاج محتوى مضلل أو التلاعب بالحقائق.

هل تؤثر الإعلانات المضللة في نتائج الانتخابات؟

رغم اتساع نطاق الظاهرة وارتفاع الإنفاق عليها، لا يجزم الخبراء بأن الإعلانات المولدة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تغيير نتائج الانتخابات بصورة مباشرة.

وذكر تقرير صادر عن مركز سياسات التكنولوجيا في جامعة نيويورك أن «السلوباغاندا» قد تكون أكثر فاعلية في حشد المؤيدين أو جمع التبرعات مقارنة بقدرتها على إقناع الناخبين باختيار مرشح بعينه.

وأشار التقرير إلى أن قدرة هذه الإعلانات على جذب الانتباه قد تكون محدودة، خصوصًا مع تزايد تدفق المحتوى الرديء الذي تنتجه أدوات الذكاء الاصطناعي على المنصات الرقمية.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، يظل التحدي الأساسي مرتبطًا بقدرة الناخبين على التحقق من صحة المحتوى السياسي، وبمدى استعداد المنصات والجهات التنظيمية لفرض قواعد أكثر وضوحًا بشأن الإفصاح عن الإعلانات المصطنعة ومكافحة التضليل.

 

إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2304

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *