وتشير الدراسة، التي أجراها باحثون بجامعة تكساس في مدينة أرلينغتون، إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي تستطيع جمع التفاصيل الشخصية المتاحة عبر الإنترنت وتحليلها، ثم توظيفها في صياغة رسائل إلكترونية احتيالية تستند إلى أنشطة المستخدم واهتماماته والأماكن التي زارها أو الفعاليات التي يخطط لحضورها.
وتختلف هذه الهجمات عن رسائل الاحتيال التقليدية التي يسهل اكتشافها بسبب الأخطاء اللغوية أو المعلومات العامة وغير المرتبطة بالمستلم، إذ تعتمد الأساليب الجديدة على تفاصيل حقيقية من حياة الضحية، ما يمنح الرسائل قدرًا أكبر من المصداقية والإقناع.
كيف يحول الذكاء الاصطناعي منشورات إنستغرام إلى وسيلة للاحتيال؟
يشارك ملايين المستخدمين تفاصيل حياتهم اليومية عبر منصات التواصل الاجتماعي، سواء من خلال نشر صور الرحلات أو الحديث عن حفلات ومناسبات يستعدون لحضورها، أو التعليق على مشكلات واجهوها مع خدمات وشركات مختلفة.
وقد تبدو هذه المنشورات عادية بالنسبة إلى الأصدقاء والمتابعين، لكنها تمثل مصدرًا للمعلومات يمكن للمحتالين استغلاله في إعداد هجمات إلكترونية أكثر دقة.
ووفقًا لنتائج الدراسة، تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي استخراج المعلومات من المنشورات والصور، والتعرف على تفاصيل مرتبطة بحياة المستخدم، ثم استخدامها في إنشاء رسائل تصيد احتيالي تتضمن إشارات إلى أحداث وأنشطة حقيقية يعرفها المستهدف.
ولا تقتصر هذه الإمكانيات على جمع المعلومات، بل تمتد إلى تخصيص اسم المرسل وعنوان الرسالة والروابط المرفقة، بما يجعل الرسالة تبدو مرتبطة بموقف حقيقي أو تعامل سابق للمستخدم.
التصيد الاحتيالي الموجه.. سلاح جديد بيد المحتالين
تعرف هذه الطريقة باسم التصيد الاحتيالي الموجه، وهي أسلوب يعتمد على تصميم رسائل احتيالية تستهدف أشخاصًا بعينهم، بالاستناد إلى معلومات شخصية جرى جمعها عنهم مسبقًا.
لكن التطور الجديد يتمثل في قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مراحل جمع المعلومات وتحليلها وصياغة الرسائل بصورة آلية وسريعة، بدلًا من اضطرار المحتال إلى قضاء ساعات في البحث عن تفاصيل كل ضحية.
وبذلك، يمكن للمهاجمين توسيع نطاق عملياتهم واستهداف أعداد كبيرة من المستخدمين برسائل مختلفة، مع الحفاظ على درجة عالية من التخصيص لكل مستهدف.
واختبر الباحثون قدرة الرسائل التي أنشأها الذكاء الاصطناعي على إقناع المستخدمين، من خلال عرضها على مجموعة من المشاركين لتقييم جودتها ومدى واقعيتها، وحصلت على تقييمات مرتفعة، وهو ما يعكس قدرتها على الظهور بصورة مقنعة، دون أن يعني ذلك بالضرورة نجاحها في خداع جميع المستلمين.
أنظمة حماية الذكاء الاصطناعي تفشل في اكتشاف معظم الطلبات الضارة
ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن أنظمة الحماية المدمجة في نماذج الذكاء الاصطناعي لم تكن فعالة بالقدر الكافي في اكتشاف الطلبات التي تستهدف إنشاء رسائل تصيد احتيالي مخصصة.
واختبر الباحثون ثلاث أدوات مخصصة لرصد الطلبات الضارة، هي Llama Guard وShieldGemma وWildGuard، وأظهرت النتائج أن هذه الأنظمة، عند استخدام إعداداتها الافتراضية، لم تتمكن سوى من اكتشاف ما بين 0% و19% من الطلبات المرتبطة بهجمات التصيد الاحتيالي الموجه.
وفي المقابل، توصل الفريق إلى إمكانية تحسين أداء أدوات الحماية بصورة كبيرة، بعدما أدى تزويدها بتعليمات أكثر وضوحًا بشأن طبيعة الأنشطة الضارة التي ينبغي رصدها إلى رفع معدلات اكتشاف الطلبات المشبوهة إلى 99%.
ومن المقرر عرض نتائج الدراسة خلال مؤتمر متخصص في الأمن السيبراني في مارس 2027، وسط تزايد الاهتمام بمخاطر توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب الهجمات الإلكترونية.
كيف تحمي نفسك من رسائل التصيد الاحتيالي المدعومة بالذكاء الاصطناعي؟
تسلط الدراسة الضوء على أن خطورة هذه الهجمات لا ترتبط فقط بقدرة الذكاء الاصطناعي على إنشاء معلومات مزيفة، بل أيضًا باستغلاله تفاصيل حقيقية سبق للمستخدمين نشرها بأنفسهم على الإنترنت.
ولهذا، فإن وجود معلومات شخصية صحيحة داخل رسالة بريد إلكتروني لا يمثل دليلًا على موثوقية المرسل، فقد تكون هذه التفاصيل جُمعت من حسابات المستخدم على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتشمل أبرز إجراءات الحماية تجنب نشر تفاصيل دقيقة عن التحركات اليومية والمواعيد والرحلات قبل حدوثها، والتحقق من هوية المرسل عبر القنوات الرسمية، وعدم الضغط على الروابط المرفقة قبل التأكد من مصدرها، إلى جانب استخدام المصادقة متعددة العوامل لحماية الحسابات.
وتؤكد نتائج الدراسة أن تطور الذكاء الاصطناعي لا يمنح المحتالين أدوات أسرع لإنتاج الرسائل فحسب، بل يساعدهم أيضًا على جعل عمليات الاحتيال أكثر ارتباطًا بالحياة الشخصية للمستخدمين، وهو ما يفرض تحديات جديدة أمام أنظمة الأمن السيبراني ووسائل حماية الخصوصية الرقمية.




