نجح فريق من الباحثين في تطوير نظام ذكاء اصطناعي قادر على حل مشكلة فيزيائية معقدة حيّرت العلماء لأكثر من مئة عام، حيث تمكن من إنجاز الحسابات المطلوبة في ثوانٍ معدودة بعد أن كانت تستغرق أسابيع أو حتى أشهر باستخدام الأساليب التقليدية.
وطوّر باحثون من University of New Mexico بالتعاون مع Los Alamos National Laboratory إطار عمل جديد يحمل اسم THOR AI، يهدف إلى معالجة إحدى أكثر المسائل تعقيدًا في الفيزياء الإحصائية، وهي حساب ما يُعرف بالتكاملات التكوينية.
التعامل مع الحسابات الرياضية الضخمة
يعتمد النظام على خوارزميات متقدمة تُعرف باسم شبكات التنسور، والتي تسمح بالتعامل مع حسابات رياضية ضخمة ومعقدة، إضافة إلى المعادلات التفاضلية الجزئية المستخدمة في تحليل خصائص المواد المختلفة.
وتساعد هذه الحسابات العلماء على التنبؤ بكيفية تصرف المواد تحت ظروف مختلفة مثل الضغوط العالية أو درجات الحرارة المتباينة.
دمج التعلم الآلي لفهم حركة الذرات
ولتعزيز كفاءة النظام، قام الباحثون بدمج الإطار مع نماذج تعلم آلي قادرة على تمثيل كيفية تفاعل الذرات وحركتها داخل المادة، ما يسمح بمحاكاة دقيقة لسلوك المواد في نطاق واسع من البيئات الفيزيائية.
وكان العلماء يعتمدون لعقود طويلة على تقنيات حسابية غير مباشرة مثل ديناميكيات الجزيئات أو محاكاة مونت كارلو لتقدير هذه التكاملات، وهي طرق تتطلب محاكاة ملايين التفاعلات الذرية عبر فترات زمنية طويلة.
تحدي “لعنة الأبعاد”
تتمثل العقبة الأساسية في هذه الحسابات في ما يُعرف علميًا بـ”لعنة الأبعاد”، حيث يؤدي ازدياد عدد المتغيرات في المعادلات إلى تضخم هائل في حجم العمليات الحسابية المطلوبة، وهو ما يجعل حتى الحواسيب العملاقة تواجه صعوبة في معالجتها.
وأوضح ديميتير بيتسيف، أستاذ الهندسة الكيميائية والبيولوجية في University of New Mexico، أن حل التكاملات التكوينية بشكل مباشر كان يُعد مستحيلًا تقريبًا، نظرًا لأن هذه العمليات قد تتضمن آلاف الأبعاد، ما يتطلب وقتًا حسابيًا قد يتجاوز عمر الكون حتى باستخدام الحواسيب الحديثة.
تحويل المشكلة إلى حل سريع
لكن نظام THOR AI نجح في تجاوز هذه المعضلة من خلال تحويل البيانات عالية الأبعاد إلى سلسلة من الوحدات الصغيرة المرتبطة ببعضها، باستخدام تقنية رياضية تُعرف باسم Tensor Train Cross Interpolation.
كما طور الباحثون نسخة متخصصة من هذه الطريقة للكشف عن التناظرات البلورية داخل المواد، ما يساعد على تقليل حجم الحسابات المطلوبة بشكل كبير.
وبفضل هذه التقنيات، أصبحت العمليات التي كانت تستغرق آلاف الساعات تُنجز في ثوانٍ معدودة دون التأثير على دقة النتائج.
اختبارات ناجحة على مواد مختلفة
اختبر الفريق النظام على مجموعة من المواد، من بينها معادن مثل النحاس، إضافة إلى الغازات النبيلة تحت ضغوط عالية، وحقق نتائج لافتة.
ووفقًا للدراسة المنشورة في مجلة Physical Review Materials، تفوق النظام في سرعته على أساليب المحاكاة التقليدية بنحو 400 مرة مع الحفاظ على مستوى الدقة ذاته.
ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تمهد الطريق لاكتشافات علمية جديدة، إذ يمكن استخدامها في حل العديد من الألغاز المعقدة في مجالات الفيزياء والكيمياء وعلوم المواد.




