من الهواية إلى صناعة الجريمة الرقمية
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تطورت الجريمة السيبرانية من مجتمعات اختراق بدافع الفضول إلى شبكات إجرامية منظمة تعتمد على البرمجيات الخبيثة، برامج الفدية، والاحتيال. لكن وفقاً لـدميتري فولكوف، الرئيس التنفيذي لشركة غروب آي بي (Group-IB)، الموجة الحالية تشكل تحولاً جذرياً، إذ بات الذكاء الاصطناعي أداة أساسية في صناعة الجريمة السيبرانية، بما أزال “عنق الزجاجة البشري” في تنفيذ الهجمات.
يشرح فولكوف أن السرعة والدقة في الهجمات الرقمية لم تعد محدودة بمهارة الأفراد، بل أصبح الذكاء الاصطناعي ينفذ المهام فوراً وبشكل متكرر وعلى نطاق واسع، ما يحوّل النشاط السيبراني من مهارات فردية إلى صناعة قابلة للتوسع.
الذكاء الاصطناعي يرفع مستوى الهجمات ويقلل الحاجة للخبرة
تقليدياً، اعتمدت الجريمة السيبرانية على خبرة بشرية عالية لتطوير برمجيات خبيثة، صياغة رسائل تصيد، وتنفيذ هجمات هندسة اجتماعية. لكن الآن، باتت هذه المهام مؤتمتة بالكامل أو متاحة عبر أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وأظهرت البيانات أن المنشورات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في المنتديات المظلمة ارتفعت بنسبة 371% بين 2019 و2025، مع تسجيل أكثر من 23 ألف منشور أولي ونحو 298 ألف رد في عام 2025 فقط، ما يبرز الانتقال من الفضول إلى الاستخدام الإجرامي الشامل.
الجريمة السيبرانية كبنية تحتية متكاملة
يشير فولكوف إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً، بل أصبح جزءاً محورياً في صناعة الجريمة، بما في ذلك توليد المحتوى، الاستهداف، انتحال الهوية، والأتمتة، وأصبحت الأدوات متاحة بنماذج اشتراك منخفضة التكلفة، ما يقلل حواجز المهارة والمال أمام المجرمين الجدد.
كما أصبحت الأسواق الإجرامية تعمل مثل شركات البرمجيات السحابية، مع التركيز على الاحتفاظ بالعملاء وسهولة الاستخدام وقابلية التوسع. وتتيح الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تنفيذ هجمات متقدمة بجودة عالية وواقعية أكبر في الانتحال والتخصيص الثقافي واللغوي.
الهوية الرقمية قابلة للبرمجة والتحايل
يحذر فولكوف من أن الهوية الرقمية أصبحت قابلة للبرمجة، حيث يمكن تصنيع الصوت، الوجه، والوثائق وبيعها، ما يجعل الاحتيال استغلالاً للثقة وليس الأنظمة فحسب. وأوضحت Group-IB حالات احتيال واسعة، مثل رصد 8065 محاولة لتجاوز أنظمة “اعرف عميلك” بين يناير وأغسطس 2025، نتج عنها اكتشاف أكثر من 5700 حساب احتيالي، مع انخفاض النشاط بعد تطبيق أدوات كشف ذكية.
فجوة تنظيمية وحاجة للتعاون الدولي
يشدد فولكوف على أن الأطر التنظيمية لم تواكب سرعة التحول، وأن التشريعات في الشرق الأوسط ما زالت تفتقر إلى قوانين موحدة لتقييم المخاطر، خصوصاً في الانتحال والاحتيال. ويدعو إلى النظر إلى الجرائم المدفوعة بالذكاء الاصطناعي كنظام مترابط، ووضع الذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجيات الأمن وتعزيز التعاون الدولي واعتماد دفاعات استخباراتية متقدمة.




