مع تسارع الحكومات في تبني استراتيجيات رقمية شاملة واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمليات المؤسسية، تحول النقاش من مجرد التطبيقات إلى البنية التحتية والملكية والتحكم. المفهوم الأبرز اليوم في هذا السياق هو «السيادة» على الذكاء الاصطناعي.
السيادة ليست مجرد شعار
السيادة في الذكاء الاصطناعي ليست مسألة جيوسياسية فحسب، بل تعكس فهماً جديداً لمخاطر المرحلة، خصوصاً مع صعود النماذج اللغوية الكبرى. الحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن، لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي أضاف بُعداً مختلفاً، إذ تتعلّم النماذج من بيانات حساسة يصعب التحكم بها لاحقاً.
يقول سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»: «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي أو تجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويضيف أن الفرق بين تخزين البيانات العادية وترميزها داخل أوزان النموذج هو ما يحفز فكرة الذكاء الاصطناعي السيادي.
السيادة بالهندسة المعمارية
يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين: تشريعية وهندسية. الأولى تعتمد على القوانين والاتفاقات، أما الثانية فتتمثل في بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة لجهة واحدة فقط، حيث تكون البنية التحتية مفصولة مادياً (air-gapped) ولا يشاركها أي طرف آخر. هذا النموذج يتيح التحكم الاستراتيجي في البيانات الحساسة، مثل النماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية.
الحوسبة السحابية تواجه تحديات جديدة
على مدى عقدين، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات، لكن الغالبية العظمى من البيانات لم تنتقل بالكامل إلى السحابة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ بعض اللاعبين يعيدون التفكير في هذا التحوّل، لأن المعرفة التي تتعلمها النماذج تصبح جزءاً من تكوينها، ولا يمكن محوها بسهولة.
يشير عيسى: «الحوسبة السحابية لم تنتهِ، لكنها تتجه نحو بنى مزدوجة؛ بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة، وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية».
التردد أكبر من الإفراط
يؤكد عيسى أن الخطر الأكبر ليس الإفراط في الاستثمار بل التردد. فالذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الإنتاجية والخدمات بشكل جذري. ويضيف: «التأخير في تبني الذكاء الاصطناعي قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب والاستفادة من الإنتاجية الجديدة».
الاستثمار في الموهبة أهم من البنية التحتية
المراكز المادية وحدها لا تكفي، فالموهبة هي العامل الحاسم. يتطلب التحول نحو الذكاء الاصطناعي مهندسين، خبراء طاقة، مطوري برمجيات، وباحثي تعلم آلي، على غرار نجاح وادي السيليكون الذي بني عبر عقود من الاستثمار في التعليم والمؤسسات.
السيادة نسبية وليست مطلقة
السيادة الكاملة دون أي ترابط عالمي هي خيال، إذ يعتمد إنتاج الشرائح المتقدمة على مصانع خارجية. لذلك يمكن تحقيق درجات من السيادة، لكنها ليست 100%. التحدي للدول ذات الموارد المحدودة هو اللحاق بركب التقدم التكنولوجي دون تأخير.
في نهاية المطاف، يشير عيسى إلى أن التحكم في بيئات تدريب النماذج سيصبح عاملاً استراتيجياً يوازي أهمية الموارد الطبيعية في الماضي، بينما الاستثمار الحقيقي يجب أن يشمل الموهبة والخبرة على المدى الطويل.




