الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل العالمي
مع تسارع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتزايد الاستثمارات الضخمة في هذا القطاع، يتصاعد الجدل حول مستقبل الوظائف والأجور ودور الإنسان في الاقتصاد الرقمي الجديد.
وفي هذا السياق، استعرضت صحيفة وول ستريت جورنال رؤى ثلاثة من أبرز خبراء اقتصاد العمل في الولايات المتحدة، وهم David Autor، وAnton Korinek، وMartha Gimbel، الذين أجمعوا على أن الذكاء الاصطناعي سيغير سوق العمل بشكل جذري، لكنهم اختلفوا حول سرعة هذا التحول وحجمه وآثاره الاقتصادية.
استثمارات ضخمة ومخاوف متزايدة
تأتي هذه النقاشات في وقت تضخ فيه شركات التكنولوجيا العالمية استثمارات غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي.
وبحسب تقديرات Bank for International Settlements، خصصت خمس شركات تكنولوجية كبرى ما يقارب تريليون دولار للاستثمار في الذكاء الاصطناعي والأنشطة المرتبطة به خلال عامي 2025 و2026.
وحذر البنك من أن مستويات الإنفاق الحالية قد تؤثر في ربحية الشركات، كما قد تؤدي إلى مخاطر استثمارية إذا لم تحقق هذه الاستثمارات العوائد المتوقعة.
رؤية متشائمة: تراجع الطلب على العمالة
يقدم أنطون كورينيك الرؤية الأكثر تشاؤمًا بين الاقتصاديين الثلاثة، إذ يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يحدث تحولًا اقتصاديًا يماثل في حجمه الثورة الصناعية.
ويعتقد أن تطوير أنظمة قادرة على أداء المهام الذهنية والجسدية بمستويات تضاهي البشر سيؤدي إلى انخفاض الطلب على العمالة البشرية، ما قد ينعكس على حصة العاملين من الدخل القومي.
ويتوقع كورينيك أن تنخفض حصة العمل من الدخل، التي تبلغ حاليًا نحو 60% في العديد من الاقتصادات المتقدمة، إلى أقل من 50% خلال العقود المقبلة.
رؤية أكثر تفاؤلًا: وظائف جديدة وفرص مختلفة
في المقابل، يرى ديفيد أوتور أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى إعادة تشكيل الوظائف أكثر من إلغائها بالكامل.
ويؤكد أن التكنولوجيا عبر التاريخ لم تؤدِ إلى اختفاء العمل، بل ساهمت في خلق وظائف جديدة لم تكن موجودة سابقًا، مستشهدًا بوظائف علماء البيانات التي ظهرت مع انتشار الحوسبة الحديثة.
ويرى أوتور أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة في مجالات مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات المتخصصة، مع استمرار الحاجة إلى الخبرة البشرية.
العامل الإنساني لا يزال حاضرًا
أما مارثا غيمبل فتتبنى موقفًا أكثر تحفظًا، معتبرة أن كثيرًا من التوقعات المتعلقة بـ”الذكاء الفائق” تتجاهل أهمية التفاعل الإنساني في العديد من المهن.
وتشير إلى أن العديد من الوظائف خارج قطاع التكنولوجيا تعتمد على مهارات معقدة يصعب اختزالها في نماذج رقمية أو أتمتتها بالكامل، مؤكدة أن التاريخ لم يشهد ثورة تكنولوجية انتهت بانخفاض دائم في إجمالي عدد الوظائف.
الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة
يتفق الخبراء على أن الوظائف المكتبية الروتينية ستكون الأكثر تأثرًا خلال السنوات المقبلة، خاصة تلك التي تعتمد على معالجة المعلومات وإدخال البيانات والمهام الإدارية المتكررة.
وتشمل الوظائف المعرضة للضغوط المتزايدة مراكز الاتصال، وأعمال المحاسبة الأساسية، والمهام القانونية والمالية التي تعتمد على جمع البيانات وتحليلها بصورة نمطية.
ورغم أن هذه الوظائف لن تختفي بشكل فوري، فإن الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يقلل الحاجة إلى أعداد كبيرة من العاملين فيها.
ماذا عن الدول العربية؟
يرى خبراء أن التأثير في الدول العربية سيكون مختلفًا نسبيًا مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، نظرًا لأن جزءًا كبيرًا من سوق العمل لا يزال يعتمد على قطاعات تقليدية أقل تعرضًا للأتمتة.
ومع ذلك، فإن الوظائف المرتبطة بإدخال البيانات، والترجمة الأولية، وإنتاج المحتوى الروتيني، والمهام الإدارية المتكررة، ستكون من بين الأكثر تأثرًا.
في المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق فرصًا جديدة في مجالات تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وتطوير البرمجيات، وإدارة الأنظمة الذكية، إذا نجحت الدول العربية في الاستثمار في التعليم الرقمي وتطوير المهارات التقنية.
الفرصة أم التهديد؟
يرى المتخصصون أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تهديدًا حتميًا لسوق العمل بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تتطلب إعادة تأهيل القوى العاملة وتطوير نظم التعليم والتدريب.
ويظل مستقبل الوظائف مرتبطًا بقدرة الحكومات والشركات والمؤسسات التعليمية على إعداد الأفراد للتعامل مع اقتصاد جديد تتزايد فيه أهمية المهارات الرقمية والقدرة على العمل جنبًا إلى جنب مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وبينما تختلف التوقعات بشأن حجم التأثير، يتفق الجميع على أن سوق العمل خلال العقد المقبل لن يشبه ما كان عليه قبل ظهور الثورة الحالية في الذكاء الاصطناعي.




