الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة لفهم مخاطر الجلطات
طور باحثون من معهد سانت باو للأبحاث في إسبانيا ومركز الشبكات البحثية الطبية للأمراض النادرة (CIBERER) أداة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد المؤشرات البيولوجية المرتبطة بخطر الإصابة بالجلطات الدموية، من خلال دمج البيانات السريرية والجينية ومعلومات التعبير الجيني في نموذج تحليلي متقدم.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Journal of Thrombosis and Haemostasis، حيث تمكن الباحثون من رصد مئات الإشارات الجزيئية المرتبطة بالمرض، ما يسهم في تحسين تصنيف الأفراد وفق مستويات الخطر المختلفة.
تحديات الجلطات مجهولة السبب
تُعد الجلطات الوريدية من أكثر أمراض القلب والأوعية الدموية شيوعًا، وتمثل سببًا رئيسيًا للوفاة والمضاعفات الصحية حول العالم. ورغم معرفة العديد من عوامل الخطر التقليدية، فإن بعض الحالات تظهر دون وجود أسباب واضحة، فيما يعرف بالانصمام الخثاري الوريدي مجهول السبب.
وتشير الدراسات إلى أن أكثر من 60% من الاختلافات الفردية في قابلية الإصابة بالجلطات قد تكون مرتبطة بعوامل وراثية، إلا أن العوامل الجينية المعروفة لا تفسر جميع الحالات، ما دفع الباحثين للبحث عن مؤشرات حيوية جديدة تساعد في التنبؤ المبكر بالمخاطر.
تحليل بيانات 790 شخصًا للكشف عن أنماط المرض
اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 790 شخصًا من عائلات لديها تاريخ مرضي للإصابة بالجلطات الوريدية، بينهم 70 شخصًا سبق أن تعرضوا لجلطات مجهولة السبب.
واستخدم الباحثون بيانات مشروع GAIT2، أحد أكبر المشروعات العلمية المخصصة لدراسة الاستعداد الوراثي للإصابة بالتخثر الوريدي، حيث تم دمج المعلومات السريرية والجينية مع بيانات نشاط 12,981 جينًا لإنشاء نماذج قادرة على اكتشاف الأنماط المرتبطة بالمرض.
خوارزميات تعلم الآلة تكشف مؤشرات جديدة
استخدم الفريق البحثي مجموعة من خوارزميات تعلم الآلة لتحليل آلاف المتغيرات البيولوجية في وقت واحد، ما أتاح تحديد مزيج من العوامل السريرية والجزيئية المرتبطة بتاريخ الإصابة بالجلطات الوريدية.
وشملت المؤشرات الأكثر أهمية عوامل معروفة مثل مستويات عامل فون ويلبراند، ومؤشر كتلة الجسم، والعمر، وبعض المتغيرات الجينية المرتبطة بفصائل الدم ABO.
كما نجح الباحثون في تحديد 494 جينًا ساعدت أنماط نشاطها في التمييز بين الأشخاص الذين تعرضوا للجلطات وأولئك الذين لم يصابوا بها من قبل، من بينها عدد كبير من جزيئات الحمض النووي الريبي الطويل غير المشفر، وهي فئة لم تحظَ بدراسة واسعة في مجال التخثر الوريدي.
بصمة جزيئية جديدة لتقييم المخاطر
تمكن الباحثون من تطوير ما وصفوه بـ”البصمة الجزيئية” للجلطات، وهي نموذج يعتمد على دمج آلاف المتغيرات السريرية والجينية والتعبير الجيني لتحديد مدى تشابه الملف البيولوجي لأي شخص مع ملفات مرضى سبق لهم التعرض للجلطات.
وأتاح هذا النهج اكتشاف أفراد لم يصابوا بالمرض سابقًا، لكن خصائصهم البيولوجية أظهرت تشابهًا كبيرًا مع المرضى المعرضين للخطر.
تحسين دقة تصنيف المرضى
أظهرت النتائج أن الاعتماد على البيانات السريرية والجينية فقط أدى إلى تصنيف 43% من الأشخاص غير المصابين ضمن الفئات عالية الخطورة.
لكن بعد إضافة بيانات التعبير الجيني، انخفضت هذه النسبة إلى 23%، ما يعكس تحسنًا ملحوظًا في دقة التقييم. وفي الوقت نفسه، ارتفعت قدرة النموذج على التعرف على الأشخاص الذين سبق أن تعرضوا للجلطات من 70% إلى 74%.
خطوة نحو الطب الشخصي والوقاية المبكرة
أكد الباحثون أن دمج بيانات التعبير الجيني يوفر طبقة إضافية من المعلومات لا يمكن الحصول عليها عبر عوامل الخطر التقليدية وحدها، ما يسمح بفهم الفروق الدقيقة بين الأفراد الذين يمتلكون خصائص سريرية متشابهة ولكنهم يختلفون في النشاط الجزيئي داخل أجسامهم.
كما كشفت الدراسة عن ارتباطات بين الجلطات الوريدية ومسارات بيولوجية متعلقة بأمراض القلب ووظائف الكلى، وهو ما يعزز القيمة العلمية للنتائج ويدعم التوجه نحو تطوير استراتيجيات أكثر دقة للوقاية المبكرة والعلاج الشخصي للمرضى المعرضين لخطر التخثر.




