يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي عالميًا سباقًا متسارعًا، لكن المنافسة لم تعد تقتصر على تطوير النماذج والرقائق الإلكترونية، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على قدرة الدول على توفير الكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات العملاقة.
ورغم أن الطلب على مراكز البيانات في إفريقيا لا يزال أقل من الأسواق العالمية، فإن التوقعات تشير إلى نمو كبير خلال السنوات المقبلة، ما يفرض تحديات جديدة على شبكات الكهرباء والبنية التحتية في القارة.
نمو مرتقب في الطلب على مراكز البيانات بحلول 2030
تشير تقديرات شركة “ماكينزي” إلى أن الطلب على قدرات مراكز البيانات في إفريقيا سيرتفع من نحو 0.4 جيجاواط حاليًا إلى ما بين 1.5 و2.2 جيجاواط بحلول عام 2030، وهو ما يتطلب استثمارات تتراوح بين 10 و20 مليار دولار لإنشاء البنية التحتية اللازمة.
وتضم الدول الخمس الرائدة في هذا المجال، وهي مصر وكينيا والمغرب ونيجيريا وجنوب إفريقيا، قدرة تشغيلية إجمالية تقل عن 500 ميجاواط، إلا أن الطلب في هذه الأسواق مرشح للنمو بمعدل يتراوح بين 3.5 و5.5 أضعاف قبل نهاية العقد الحالي.
الذكاء الاصطناعي يرفع الحاجة إلى بنية تحتية قوية
تسارع الشركات الإفريقية في تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 40% من المؤسسات في القارة بدأت بالفعل في اختبار هذه التقنيات أو دمجها في أعمالها.
ومع انتقال هذه التطبيقات من مرحلة التجارب إلى الاستخدام الفعلي في قطاعات مثل الاتصالات والخدمات المالية والقطاع الحكومي، سيزداد الطلب على مراكز بيانات محلية تتمتع بقدرات تشغيلية عالية.
ويتطلب ذلك توفير كهرباء مستقرة، وشبكات نقل متطورة، وأراضي مناسبة، وأنظمة تبريد فعالة، إلى جانب بيئة استثمارية مستقرة.
تجارب عالمية تكشف مخاطر ضعف التخطيط
أظهرت تجارب عدد من الدول المتقدمة أن نمو مراكز البيانات بوتيرة أسرع من توسع شبكات الكهرباء يؤدي إلى ضغوط كبيرة على منظومة الطاقة.
فقد يحتاج مركز بيانات ضخم إلى أكثر من 100 ميجاواط من الكهرباء، بينما تستغرق مشروعات إنشاء خطوط النقل والمحطات الفرعية سنوات عدة، وهو ما قد يعيق تشغيل هذه المراكز.
وفي أيرلندا، استحوذت مراكز البيانات على نحو 22% من استهلاك الكهرباء المقاس بحلول عام 2024، ما دفع الحكومة إلى تحديث سياسات ربط هذه المنشآت بالشبكة الكهربائية وفرض ضوابط جديدة على تأثيرها في الشبكة.
كما فرضت مدينة أمستردام الهولندية قيودًا على إنشاء مراكز بيانات جديدة أو التوسع في القائمة حتى عام 2030، نتيجة الضغوط التي تعرضت لها البنية التحتية للطاقة.
التخطيط المتكامل بين الطاقة والبنية الرقمية
يرى خبراء أن أمام إفريقيا فرصة لتجنب الأخطاء التي وقعت فيها أسواق أخرى، من خلال التخطيط المبكر لمشروعات الطاقة والبنية الرقمية بشكل متزامن.
ويؤكد البنك الدولي أن الاستثمار المشترك في الكهرباء والاتصالات وشبكات النقل يحقق عوائد اقتصادية أكبر، إذ تعتمد البنية الرقمية على الكهرباء، بينما تساهم التقنيات الرقمية في تحسين إدارة شبكات الطاقة.
لذلك، ينبغي تحديد مناطق مخصصة لاستضافة مراكز البيانات بناءً على توافر الكهرباء، وشبكات الألياف الضوئية، ومصادر المياه، وقربها من مراكز الطلب.
مراكز البيانات أصبحت بنية تحتية استراتيجية
لم تعد مراكز البيانات مجرد منشآت تستهلك الكهرباء، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا لدعم الخدمات السحابية والقطاع المالي والرعاية الصحية والخدمات الحكومية، فضلًا عن دورها في تعزيز سيادة الدول على بياناتها ورفع قدرتها التنافسية.
ويؤكد الخبراء أن التعامل مع هذه المراكز باعتبارها بنية تحتية استراتيجية يستدعي وضع سياسات واضحة تحدد أماكن إنشائها، وآليات ربطها بالشبكات الكهربائية، وتوزيع تكاليف تطوير البنية التحتية بين المستثمرين والجهات المعنية.
خطوات ضرورية لاستعداد إفريقيا لعصر الذكاء الاصطناعي
يشير التقرير إلى أن الدول الإفريقية يمكنها الاستعداد لطفرة الذكاء الاصطناعي من خلال مجموعة من الإجراءات، أبرزها:
- إدراج توقعات الطلب على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي ضمن خطط تطوير قطاع الكهرباء.
- وضع قواعد واضحة لربط مراكز البيانات بالشبكات الكهربائية وتوزيع تكاليف البنية التحتية بشكل عادل.
- إنشاء مناطق رقمية وصناعية مشتركة لتقليل تكاليف الاستثمار وتعزيز كفاءة الشبكات.
- توسيع التكامل بين أسواق الكهرباء الإقليمية بما يسمح بتبادل الطاقة بين الدول لتلبية الطلب المتزايد.
- تشجيع مراكز البيانات على استخدام أنظمة تبريد أكثر كفاءة، والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة، مع تعزيز إجراءات الأمن السيبراني لحماية شبكات الكهرباء والبنية الرقمية.
إفريقيا تمتلك فرصة لبناء بنية تحتية جاهزة للمستقبل
يرى التقرير أن القارة الإفريقية لا تزال تمتلك فرصة فريدة للاستعداد لموجة التوسع في الذكاء الاصطناعي قبل أن تتحول الضغوط على شبكات الكهرباء إلى أزمة حقيقية.
ويؤكد أن الاستثمار المبكر في تطوير شبكات الكهرباء، بالتوازي مع البنية الرقمية، سيمنح الدول الإفريقية ميزة تنافسية في جذب استثمارات مراكز البيانات ودعم اقتصاد الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.




