الذكاء الاصطناعي يهدد مستقبل المترجمين.. هل تختفي المهنة؟

أصبح الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة أكثر حضورًا في مجال الترجمة، بعدما تطورت قدرته على إنتاج نصوص سريعة وطبيعية بدرجة تجعل المنافسة مع المترجم البشري أكثر وضوحًا.

ولم تعد أدوات الذكاء الاصطناعي مجرد وسائل مساعدة لإنجاز المهام الروتينية، بل أصبحت قادرة على تقديم ترجمات خلال ثوانٍ، ما يثير تساؤلات حول مستقبل مهنة الترجمة وحجم الطلب على خدمات المترجمين خلال السنوات المقبلة.

أوروبا تواجه تحولًا كبيرًا في سوق الترجمة

وتبدو هذه التحولات أكثر وضوحًا في أوروبا، التي تضم أكثر من 200 لغة، حيث تمثل الترجمة جزءًا مهمًا من النشاط الثقافي والتجاري.

ومع انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، يخشى عدد متزايد من المترجمين من تراجع فرص العمل وانخفاض الأجور، حتى في حال استمرار الحاجة إلى المترجم البشري في بعض المجالات المتخصصة.

تجربة تكشف تطور الذكاء الاصطناعي في الترجمة

تكشف تجربة للمترجم الأدبي الفرنسي يوان جنتريك مدى السرعة التي تطورت بها أدوات الترجمة بالذكاء الاصطناعي.

وفي عام 2022، اختبر جنتريك قدرات منصة DeepL أثناء عمله على ترجمة رواية “Wayward” للكاتبة الأمريكية دانا سبوتا إلى الفرنسية.

وتوقف المترجم أمام جملة قصيرة تصف إحساس بطلة الرواية عند فتح نافذة، حيث حملت العبارة الإنجليزية إيقاعًا وتكرارًا مقصودين، وهو ما دفعه إلى مقارنة ترجمته بالنتيجة التي قدمتها المنصة.

DeepL تتحسن خلال 4 سنوات

عندما أجرى جنتريك الاختبار في عام 2022، جاءت ترجمة DeepL أقرب إلى النقل الحرفي، ولم تنجح بصورة كافية في الحفاظ على الإيقاع والأسلوب الموجودين في النص الأصلي.

لكن عند إعادة التجربة في عام 2026، لاحظ تحسنًا واضحًا في أداء الأداة، إذ أصبحت قادرة على اختيار مفردات أكثر تنوعًا، مع الحفاظ جزئيًا على الموسيقى الداخلية للجملة.

ورغم أن النتيجة لم تصل إلى مستوى الترجمة البشرية المثالية، فإن التطور الذي ظهر خلال أربع سنوات يكشف مدى سرعة تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال.

نحو 79%  من المترجمين يعتبرون الذكاء الاصطناعي تهديدًا

وأظهرت نتائج مسح حديث أجرته جمعيتا المؤلفين الفرنسيتين ADAGP وSociété des Gens de Lettres، أن 79% من المترجمين المشاركين يرون أن انتشار الذكاء الاصطناعي يمثل تهديدًا، بسبب احتمالية استبدال الآلة بجزء من أعمالهم أو حتى بأعمالهم بالكامل.

وتعكس النسبة حجم القلق داخل قطاع الترجمة من التحول التكنولوجي المتسارع، خاصة مع تحسن أداء أدوات الترجمة الآلية في التعامل مع النصوص المعقدة.

المترجمون البريطانيون يتوقعون تراجع الطلب

وفي بريطانيا، أظهر مسح أجري عام 2025 أن 84% من المترجمين المشاركين يتوقعون انخفاض الطلب على خدمات الترجمة البشرية خلال الفترة المقبلة.

ولا يتوقف القلق عند تراجع فرص العمل، إذ يرتبط انخفاض الطلب أيضًا باحتمالات تراجع الأجور، خصوصًا مع اعتماد بعض المؤسسات على الترجمة الآلية بدلًا من الاستعانة بالمترجم لإنجاز النص كاملًا.

وظائف الترجمة تتحول إلى مراجعة نصوص الذكاء الاصطناعي

بدأ تأثير الذكاء الاصطناعي يظهر بالفعل في سوق العمل، حيث لم تعد بعض المهام تتطلب ترجمة النص من البداية، وإنما تركز على مراجعة النص الذي أنتجته الآلة وتعديله.

وتروي المترجمة الألمانية-الإنجليزية لورا رادوش، التي تعمل في برلين، أنها كانت تحصل على نحو أربعة عروض عمل شهريًا من جامعات وأساتذة ومتاحف، قبل أن يتراجع العدد خلال العام الماضي إلى عرض واحد تقريبًا كل شهر.

وأصبح جزء من هذه الأعمال يعتمد على ما يعرف بـ”التحرير اللاحق”، أي مراجعة النصوص التي ترجمتها أدوات الذكاء الاصطناعي وتصحيح الأخطاء وتحسين الصياغة.

هل يقل جهد المترجم مع الذكاء الاصطناعي؟

رغم أن الاعتماد على الترجمة الآلية قد يبدو وكأنه يقلل الوقت والجهد، فإن التجربة العملية لبعض المترجمين تشير إلى صورة مختلفة.

وأوضحت رادوش أن مراجعة النصوص التي تنتجها الآلة قد تستغرق أحيانًا الوقت نفسه الذي تحتاجه لترجمة النص بالكامل من البداية، لكنها تحصل في المقابل على أجر أقل.

مستقبل مهنة الترجمة بين المنافسة والتكيف

ولا تعني التطورات الحالية بالضرورة اختفاء المترجمين، لكنها تشير إلى تغير طبيعة المهنة، خاصة في الأعمال التي تعتمد على السرعة والنصوص العامة.

وفي المقابل، تظل الخبرة البشرية أكثر أهمية في الترجمة الأدبية والمجالات التي تحتاج إلى فهم السياق والثقافة والنبرة والأسلوب، وهي جوانب يصعب اختزالها في النقل الحرفي للكلمات.

ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، يبدو أن التحدي الأكبر أمام المترجمين لن يكون اختفاء المهنة بشكل كامل، وإنما القدرة على التكيف مع سوق يعتمد بصورة متزايدة على التعاون بين الإنسان والآلة.

 

شارك هذا الخبر
إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1522

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *