“جوجل إيرث” يسحب ميزة الذكاء الاصطناعي بعد 24 ساعة.. صور مزيفة تهدد الثقة

استمرت تجربة قصيرة للذكاء الاصطناعي التوليدي داخل منصة «جوجل إيرث» نحو 24 ساعة فقط، لكنها أثارت مخاوف واسعة بشأن الثقة في الصور والمعلومات القادمة من مناطق النزاعات، بعدما أتاحت للمستخدمين إنشاء صور أقمار صناعية وهمية تبدو واقعية للغاية.

وجاءت التجربة في وقت تشهد فيه المنطقة صراعًا متزايدًا على المعلومات، إذ أصبحت صور الأقمار الصناعية التجارية أداة مهمة أمام السلطات والمحللين والصحفيين للتحقق من الأحداث على الأرض، خصوصًا مع صعوبة الوصول المباشر إلى بعض المواقع.

جوجل إيرث.. أداة موثوقة للتحقق من الأحداث

لطالما ارتبط «جوجل إيرث» بمصادر المعلومات الجغرافية الموثوقة، كما يستخدمه المحققون العاملون في مجال المصادر المفتوحة في توثيق وتحليل الأحداث خلال النزاعات في دول مثل سوريا واليمن والسودان.

لكن في 30 يوليو، أطلقت جوجل ميزة جديدة تتيح دمج إنشاء الصور بالذكاء الاصطناعي مباشرة داخل «جوجل إيرث»، ما أثار تساؤلات حول تأثير هذه الخطوة على طبيعة المنصة التي ارتبط اسمها على مدار سنوات بالصور والمعلومات الجغرافية.

الذكاء الاصطناعي يصنع مشاهد وهمية لمواقع حقيقية

أتاحت الميزة للمستخدم تحديد إحداثيات حقيقية على الخريطة، ثم كتابة أمر نصي للحصول على مشهد واقعي مولد بالذكاء الاصطناعي، يتم دمجه مع الصور الفعلية الملتقطة عبر الأقمار الصناعية أو الطائرات.

وخلال ساعات من إطلاق الميزة، تمكن المستخدمون من إنشاء صور مزيفة لمنشأة نووية في إيران، وحفرة ناجمة عن انفجار بالقرب من مستشفى في غزة، إلى جانب مشاهد لفيضانات تحيط بمبنى الكونغرس الأميركي.

صور الأقمار الصناعية المزيفة ليست ظاهرة جديدة

ولا يمثل تزوير صور الأقمار الصناعية باستخدام الذكاء الاصطناعي ظاهرة جديدة، إذ سبق أن استُخدمت نماذج للذكاء الاصطناعي في إنتاج صور مزيفة يمكن تقديمها باعتبارها أدلة بصرية.

غير أن ما جعل تجربة «جوجل إيرث» أكثر إثارة للقلق هو سهولة الوصول إلى أدوات التزييف من داخل منصة اعتاد المستخدمون والمحققون الاعتماد عليها باعتبارها مصدرًا للمعلومات الجغرافية.

جوجل تسحب الميزة بعد موجة انتقادات

وبعد أقل من يوم على إطلاق الميزة، سحبت جوجل الأداة عقب موجة انتقادات من خبراء التحقيقات الرقمية ووسائل الإعلام، مؤكدة أنها ستعيد طرحها في المستقبل بعد تزويدها بضوابط حماية أقوى.

وتكشف الواقعة، بحسب التحليل، نمطًا متكررًا في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، يتمثل في إطلاق ميزات جديدة أولًا، ثم تطوير آليات الحماية بعد ظهور الأضرار أو تصاعد الانتقادات.

تراجع الوصول إلى الصور الحقيقية يزيد المخاطر

وتزامن ذلك مع إجراءات أميركية للحد من وصول الصحفيين إلى بعض صور الأقمار الصناعية في المنطقة، بدعوى اعتبارات مرتبطة بأمن الحرب.

ويزيد هذا الوضع من صعوبة التحقق من المعلومات، إذ تتراجع كمية الصور الحقيقية المتاحة في الوقت الذي تنتشر فيه الصور والمشاهد المصطنعة بالذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة.

فيديوهات الذكاء الاصطناعي تربك توثيق الحروب

ولا تقتصر المشكلة على الصور الفضائية، إذ شهدت السنوات الأخيرة انتشار مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي مرتبطة بصراعات وأحداث عسكرية.

ومن الأمثلة على ذلك انتشار مقاطع مزيفة لهجمات صاروخية على تل أبيب، جرى إنشاؤها باستخدام أدوات توليد الفيديو، فيما أصبح بعض المستخدمين قادرين لاحقًا على إزالة العلامات المائية التي تساعد في التعرف على المحتوى المصطنع.

غياب العلامة المائية يزيد صعوبة اكتشاف التزييف

وتزداد خطورة المحتوى المزيف عندما لا يحمل علامات واضحة تكشف استخدام الذكاء الاصطناعي. فقد انتشر مقطع مصور زائف لانفجار في سجن إيفين الإيراني بعد وقت قصير من وقوع ضربة عسكرية، وتداولته مؤسسات إعلامية قبل أن يخضع لاحقًا للتحليل الجنائي الرقمي.

وخلص خبراء في وقت لاحق إلى أن الفيديو مولد بالذكاء الاصطناعي، لكن المشكلة الأساسية تتمثل في الفارق الزمني بين انتشار المعلومة الكاذبة واكتشاف حقيقتها.

«أرباح الكاذب».. عندما تصبح الحقيقة موضع شك

وتعرف هذه الظاهرة بمفهوم «أرباح الكاذب» أو Liar’s Dividend، وهو مصطلح يشير إلى استفادة الجهات التي تنشر المعلومات المضللة من انتشار تقنيات التزييف.

فمجرد وجود أدوات قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو مقنعة يمنح أصحاب المعلومات الكاذبة فرصة للتشكيك حتى في الأدلة الحقيقية، إذ يمكن ببساطة الادعاء بأن أي صورة أو فيديو حقيقي قد يكون مصنوعًا بالذكاء الاصطناعي.

وبذلك لم يعد التزييف بحاجة إلى الصمود أمام التدقيق لفترة طويلة؛ يكفي أن ينتشر قبل وصول الحقيقة إلى الجمهور.

قوانين الذكاء الاصطناعي لا تواكب التطور

وتواجه جهود تنظيم الذكاء الاصطناعي تحديات كبيرة بسبب السرعة التي تتطور بها النماذج والأدوات الجديدة.

وبدأت بعض متطلبات الشفافية المنصوص عليها في قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي تدخل حيز التنفيذ في أغسطس 2026، إلا أن تطبيق عدد من القواعد لا يزال يواجه صعوبات، فيما تعتمد بعض المعايير على قواعد طوعية بدلًا من تشريعات ملزمة بالكامل.

كما دخل قانون للشفافية بشأن الذكاء الاصطناعي في ولاية كاليفورنيا حيز التنفيذ في أغسطس، لكنه لن يمتد إلى المنصات على نطاق أوسع قبل عام 2027 على الأقل.

أدوات كشف المحتوى المزيف لا تزال محدودة

ولا تزال تقنيات الكشف عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي تواجه مشكلات في الدقة والموثوقية.

وأظهرت اختبارات أجريت على أدوات الكشف التابعة لـ13 مزودًا للذكاء الاصطناعي أن سبعة منها لم تكن توفر أدوات كشف عامة، بينما أمكن خداع معظم الأدوات المتاحة، باستثناء أداة واحدة تقريبًا.

وهذا يعني أن الاعتماد على أدوات الكشف وحدها لا يوفر حلًا كافيًا لمشكلة انتشار المحتوى المزيف.

 

 

إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1539

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *