طفرة الذكاء الاصطناعي في الصين.. كيف تتحول بكين إلى قوة عالمية

تشهد الصين طفرة غير مسبوقة في قطاع الذكاء الاصطناعي، بعدما انتقلت التكنولوجيا من كونها مجالًا للبحث والتطوير إلى أحد المحركات الرئيسية للاستراتيجية الاقتصادية والصناعية للبلاد.

وتدفع بكين بقوة نحو توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في التصنيع والاتصالات والخدمات والروبوتات والاقتصاد الرقمي، بالتزامن مع صعود شركات ونماذج صينية مثل DeepSeek وAlibaba وMoonshot وZhipu، في وقت تشتد فيه المنافسة مع الولايات المتحدة على امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا.

وتستهدف الصين أن تتجاوز قيمة الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي 10 تريليونات يوان، أي نحو 1.45 تريليون دولار، بحلول 2030، وفق تصريحات رئيس اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى أولوية اقتصادية في الصين

وضعت الحكومة الصينية الذكاء الاصطناعي في قلب خططها الاقتصادية والتكنولوجية للفترة من 2026 إلى 2030، مع التركيز على ما يعرف بمبادرة «الذكاء الاصطناعي+»، التي تستهدف إدخال التقنيات الذكية على نطاق واسع في القطاعات الاقتصادية.

وتشمل الأولويات الصينية تطوير الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط، والوكلاء الذكيين، والذكاء الاصطناعي المتجسد في الروبوتات، وذكاء الأسراب، إلى جانب استكشاف مسارات تطوير الذكاء الاصطناعي العام.

وهذا التحول يعني أن بكين لا تراهن فقط على إنتاج نماذج منافسة للنماذج الأميركية، وإنما تسعى إلى بناء اقتصاد كامل يعتمد على الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والخدمات والبنية التحتية.

DeepSeek يشعل سباق الذكاء الاصطناعي الصيني

أصبحت DeepSeek واحدة من أبرز رموز الطفرة الصينية في الذكاء الاصطناعي، بعدما نجحت في جذب اهتمام عالمي بفضل نماذجها وقدرتها على المنافسة مع شركات تكنولوجية أميركية كبرى.

وتحولت الشركة إلى هدف استثماري كبير، إذ ذكرت تقارير حديثة أنها استعانت بشركة CITIC Securities للتحضير لطرح عام أولي محتمل في سوق شنغهاي للتكنولوجيا، في خطوة تعكس تصاعد القيمة التجارية للشركات الصينية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

وتشير تقارير أخرى إلى أن جولة تمويل حديثة رفعت تقييم DeepSeek إلى نحو 71 مليار دولار، بينما تستثمر الشركة بكثافة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتطوير النماذج واستقطاب المواهب.

الصين لا تعتمد على شركة واحدة

رغم الشهرة الكبيرة التي حققتها DeepSeek، فإن طفرة الذكاء الاصطناعي الصينية تقوم على منظومة أوسع من الشركات والمختبرات.

وتبرز شركات مثل Alibaba وMoonshot وZhipu وXiaomi، إلى جانب عدد متزايد من الشركات الناشئة التي تعمل على تطوير نماذج لغوية كبيرة ووكلاء ذكاء اصطناعي وحلول متخصصة للقطاعات الصناعية.

وتسعى Moonshot، المطورة لنموذج Kimi، إلى استكشاف طرح مزدوج في هونغ كونغ وشنغهاي، في مؤشر آخر على تحول الذكاء الاصطناعي إلى قطاع يجذب رؤوس الأموال الصينية والعالمية.

الحكومة الصينية تضخ الدعم في البنية التحتية

تعتمد استراتيجية الصين على بناء قاعدة ضخمة من الحوسبة والبيانات والاتصالات اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي اجتماع لمجلس الدولة خلال يونيو الماضي، شددت الحكومة الصينية على ضرورة تسريع الاختراقات في التقنيات الأساسية، وبناء تجمعات ضخمة للحوسبة الذكية، وتعزيز الدعم للكوادر المتخصصة والتمويل، إلى جانب تسريع الاستخدام التجاري واسع النطاق لمنتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي.

وهذا يعني أن بكين تنظر إلى الحوسبة باعتبارها بنية تحتية استراتيجية، شبيهة بالطاقة والاتصالات، وليست مجرد مورد تقني للشركات الخاصة.

الصين تربط الذكاء الاصطناعي بالتصنيع

من أهم ما يميز التجربة الصينية أن الذكاء الاصطناعي لا يبقى محصورًا في تطبيقات المحادثة أو البحث، وإنما يتجه بسرعة إلى المصانع وسلاسل الإنتاج.

وأكدت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية في أغسطس أن الذكاء الاصطناعي أصبح مدمجًا بدرجة كبيرة عبر سلسلة الصناعة، بداية من البحث والتطوير والتصميم، مرورًا بالإنتاج والتصنيع وفحص الجودة، وصولًا إلى التشغيل والصيانة.

وتمنح هذه القدرة الصين ميزة مهمة، نظرًا إلى ضخامة قاعدتها الصناعية وقدرتها على تحويل تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات عملية على نطاق واسع.

الروبوتات.. الجبهة الجديدة للذكاء الاصطناعي الصيني

لا تقتصر الطفرة الصينية على النماذج اللغوية، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي المتجسد والروبوتات من أبرز مجالات المنافسة.

وسجلت شركات الذكاء الاصطناعي المتجسد في الصين نموًا قويًا في المبيعات خلال الأشهر الأولى من 2026، بينما تضاعفت مشتريات الشركات الصناعية للروبوتات العاملة بتقنيات الذكاء الاصطناعي المتجسد بأكثر من مرتين خلال الفترة نفسها.

وتشير تقديرات IDC إلى أن الإنفاق الصيني على الذكاء المتجسد قد يرتفع من نحو 1.4 مليار دولار إلى 77 مليار دولار خلال خمس سنوات، ما يجعل الصين مرشحة لتكون أكبر سوق عالمي للروبوتات بحلول 2029.

الصين تفتح الباب أمام الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي

يعكس تحرك بورصة شنغهاي لتوفير قواعد خاصة بإدراج شركات نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة إدراك السلطات الصينية للحاجة إلى توفير قنوات تمويل للشركات العاملة في القطاع.

وتسمح القواعد الجديدة لشركات الذكاء الاصطناعي التي تمتلك نماذج مطورة ذاتيًا وتطبيقات وصلت إلى مرحلة الاستخدام واسع النطاق بالتقدم وفق معايير مخصصة، بما يدعم انتقال القطاع من مرحلة التجارب إلى مرحلة تجارية أكثر نضجًا.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى ورقة في المنافسة مع أميركا

لا يمكن فصل الطفرة الصينية عن المنافسة التكنولوجية المتصاعدة مع الولايات المتحدة.

وتحاول واشنطن الحد من وصول الصين إلى بعض التقنيات المتقدمة، خصوصًا أشباه الموصلات ومعدات الحوسبة اللازمة لتطوير النماذج المتقدمة، بينما تسعى بكين إلى تعزيز الاعتماد على قدراتها المحلية.

وفي المقابل، أصبحت الشركات الصينية أكثر اهتمامًا بتطوير نماذج مفتوحة الأوزان، بما يسمح بانتشارها على نطاق أوسع خارج الصين ويمنح بكين فرصة لبناء نفوذ عالمي في مجال الذكاء الاصطناعي.

صراع على المواهب والنماذج والبيانات

مع ارتفاع قيمة شركات الذكاء الاصطناعي، اشتدت المنافسة على استقطاب الباحثين والمهندسين والخبراء.

وتحتاج شركات مثل DeepSeek إلى تمويل متزايد للحفاظ على المواهب وتطوير البنية التحتية، في ظل تنافس الشركات الصينية الكبرى على استقطاب الكفاءات المتخصصة في النماذج المتقدمة.

وفي الوقت نفسه، أصبحت البيانات عنصرًا استراتيجيًا في المنافسة، مع اتجاه الصين إلى تعزيز إتاحة البيانات عالية الجودة وتطوير منظومات مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي.

بكين تدفع نحو تعاون عالمي في الذكاء الاصطناعي

لا تركز الصين على تطوير التكنولوجيا محليًا فقط، بل تحاول أيضًا لعب دور أكبر في وضع قواعد الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي.

وأطلقت الصين في يوليو خطة للعمل الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي، تشمل البيانات والحوسبة والمنظومات مفتوحة المصدر والتطبيقات الصناعية والمواهب والقواعد والمعايير والحوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

كما طرحت بكين خلال قمة بريكس 2026 مبادرة لإنشاء منطقة مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي ضمن إطار بريكس، في محاولة لتعزيز التعاون في التكنولوجيا وتقليص الفجوة الرقمية بين الدول.

هل تستطيع الصين تجاوز القيود الأميركية؟

رغم التقدم السريع، لا تزال أمام الصين تحديات كبيرة، أبرزها الوصول إلى أحدث الرقائق المتقدمة، وتوفير القدرة الحسابية اللازمة لتدريب النماذج الأكبر، والحفاظ على المواهب، وتحويل النماذج المتقدمة إلى أعمال مربحة ومستدامة.

لكن تجربة DeepSeek وغيرها أظهرت أن القيود على بعض التقنيات لا تمنع بالضرورة الشركات الصينية من تحقيق تقدم سريع في كفاءة النماذج وتطوير تطبيقات تنافسية.

وهنا تتحول المنافسة من سؤال حول «من يمتلك أقوى نموذج؟» إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يستطيع بناء منظومة متكاملة تشمل الرقائق والحوسبة والبيانات والمواهب والروبوتات والتطبيقات والأسواق.

طفرة الذكاء الاصطناعي في الصين تتجاوز ChatGPT

تكشف التطورات الحالية أن الصين لا تخوض سباق الذكاء الاصطناعي بهدف إنتاج بديل صيني لـChatGPT فحسب، وإنما تسعى إلى دمج التكنولوجيا في الاقتصاد الحقيقي.

من المصانع والروبوتات إلى شبكات الاتصالات والسيارات والطاقة والخدمات، تتحول الصين إلى مختبر ضخم لتطبيق الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

ومع استهداف وصول قيمة الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى أكثر من 10 تريليونات يوان بحلول 2030، فإن الطفرة الحالية تبدو جزءًا من استراتيجية طويلة الأجل لإعادة تشكيل الاقتصاد الصيني وتعزيز قدرته على المنافسة التكنولوجية عالميًا.

 

إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2155

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *