حذر الاقتصادي الأميركي الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز من مخاطر تحول الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي إلى فقاعة استثمارية، مؤكدًا أن قدرة التكنولوجيا على تحقيق الوعود المتعلقة بزيادة الإنتاجية وخفض التكاليف ورفع الأرباح ستتوقف إلى حد كبير على طريقة إدارة المرحلة الانتقالية والسياسات الاقتصادية والتنظيمية المصاحبة لها.
ويرى ستيغليتز أن موجة التفاؤل الكبيرة المحيطة بالذكاء الاصطناعي تعتمد على توقعات بتحقيق نمو مستدام في الإنتاجية، إلا أن هذه التوقعات لا تضع تصورًا واضحًا لكيفية انتقال الاقتصاد والمجتمع إلى المرحلة الجديدة، خصوصًا في ظل احتمالات فقدان أعداد كبيرة من الوظائف واتساع فجوة عدم المساواة.
ستيغليتز: الذكاء الاصطناعي قد يفقد وظائف أسرع من خلقها
أوضح ستيغليتز أن الثورات التكنولوجية السابقة تسببت في اختفاء وظائف، لكنها أسهمت في الوقت نفسه في ظهور وظائف جديدة، مستشهدًا بالتحول التاريخي من الاقتصاد الزراعي إلى الصناعي.
لكن التطور الحالي، بحسب رؤيته، يحمل اختلافًا جوهريًا، إذ قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من إحلال عدد من الوظائف بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توفير وظائف بديلة تتمتع بمستويات دخل مناسبة.
وحذر من أن هذا التحول قد يؤدي إلى زيادة البطالة والضغط على دخول الأسر، بما ينعكس في النهاية على الطلب الاستهلاكي والأرباح التي تراهن عليها الشركات العاملة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
فقاعة الذكاء الاصطناعي مرتبطة بثلاثة شروط
يرى الاقتصادي الحائز على نوبل أن هناك مؤشرات تدعم احتمالية وجود فقاعة استثمارية في قطاع الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن تحقيق العوائد الضخمة التي يتوقعها المستثمرون يتطلب توافر ثلاثة شروط رئيسية في الوقت نفسه.
وتتمثل هذه الشروط في وجود منافسة محدودة، وانتشار سريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدارة اقتصادية كلية فعالة قادرة على التعامل مع آثار التحول التكنولوجي.
وحذر ستيغليتز من أن غياب أي من هذه العوامل قد يجعل توقعات الأرباح أكثر صعوبة، خاصة مع ضخ الشركات مبالغ ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية والتقنيات الجديدة.
الذكاء الاصطناعي يهدد الطلب ويزيد عدم المساواة
وأشار ستيغليتز إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل صدمة اقتصادية واسعة النطاق، يمكن أن تؤدي إلى انخفاض الطلب الكلي وزيادة البطالة واتساع الفوارق في توزيع الدخول والثروة.
وأوضح أن انخفاض الطلب الاستهلاكي نتيجة فقدان الوظائف أو تراجع الأجور قد يتحول إلى مشكلة مباشرة للشركات نفسها، لأن أرباح قطاع التكنولوجيا لا تنفصل عن قدرة المستهلكين على شراء السلع والخدمات.
كما أبدى تشككًا في قدرة صناع السياسات على إدارة التحولات الاقتصادية الكبرى، مستشهدًا بما اعتبره دروسًا من انهيار فقاعة شركات التكنولوجيا في عام 2000 والأزمة المالية العالمية عام 2007.
المنافسة الأميركية الصينية تضغط على أرباح القطاع
لفت ستيغليتز إلى أن انخفاض حواجز الدخول إلى بعض مجالات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المنافسة المتزايدة بين الشركات الأميركية والصينية، قد يدفع الأسعار إلى الانخفاض ويضغط على هوامش الأرباح المتوقعة.
وفي الوقت نفسه، فإن محاولة الشركات تحقيق أرباح احتكارية من خلال الحد من المنافسة قد تؤدي إلى تركيز الثروة في أيدي مجموعة محدودة من الشركات والمليارديرات، وهو ما قد يقلل من المكاسب الاقتصادية التي يفترض أن تصل إلى المجتمع بصورة أوسع.
ويرى أن قطاع الذكاء الاصطناعي يواجه مفارقة واضحة؛ فالتوسع السريع في تبني التكنولوجيا قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في الوظائف، بينما قد يؤدي التوسع البطيء إلى إحباط المستثمرين ورفع احتمالات انفجار الفقاعة الاستثمارية.
ستيغليتز يحذر من أزمة في منظومة المعلومات
وحذر الاقتصادي الأميركي كذلك من تأثير الذكاء الاصطناعي على جودة المعلومات، مشيرًا إلى أن كفاءة النماذج الذكية ستظل مرتبطة بجودة البيانات والمحتوى الذي تعتمد عليه في التدريب.
وأوضح أن استحواذ منصات التكنولوجيا وأنظمة الذكاء الاصطناعي على جزء كبير من القيمة الاقتصادية للمحتوى قد يضعف قدرة وسائل الإعلام والجهات المنتجة للمعلومات على تمويل إنتاج محتوى موثوق وعالي الجودة.
كما أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفض تكلفة إنتاج المحتوى المضلل والمزيف، في وقت قد تتطور فيه تقنيات التزييف العميق بسرعة تفوق قدرة أدوات الكشف عنها، بما يهدد الثقة العامة.
قوانين جديدة لمواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي
شدد ستيغليتز على أهمية تطوير أطر تنظيمية وقوانين ملكية فكرية تتناسب مع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي.
وحذر من أن استمرار التعامل مع التقنيات الجديدة وفق قواعد قانونية قديمة لن يكون كافيًا، خصوصًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات تتجاوز الحدود التقليدية لما يعرف بـ”الاستخدام العادل”.
ويرى أن التنظيم لا ينبغي أن يستهدف إبطاء الابتكار، وإنما ضمان تحقيق التوازن بين مصالح شركات التكنولوجيا وحقوق أصحاب المحتوى والمجتمع.
أجندة تقدمية لإدارة طفرة الذكاء الاصطناعي
طرح ستيغليتز ما وصفه بـ”أجندة الذكاء الاصطناعي التقدمية”، والتي تقوم على ثلاثة محاور أساسية بهدف ضمان توزيع أكثر عدالة لمكاسب التكنولوجيا.
ويتمثل المحور الأول في تعزيز المنافسة ومنع الاحتكار، بما يسمح بوصول مكاسب الابتكار إلى المستهلكين والاقتصاد بدلًا من تركزها لدى عدد محدود من الشركات الكبرى.
أما المحور الثاني فيركز على تنظيم شركات الذكاء الاصطناعي وإخضاعها للمساءلة عن الأضرار التي قد تنتج عن منتجاتها، محذرًا من تكرار ما اعتبره أخطاء ارتبطت بالنمو غير المنظم لمنصات التواصل الاجتماعي.
توجيه مكاسب الذكاء الاصطناعي نحو المجتمع
يرى ستيغليتز أن المحور الثالث يجب أن يركز على استخدام مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في بناء اقتصاد أكثر عدالة.
وضرب مثالًا بتحسين أجور المعلمين والممرضين ومقدمي خدمات الرعاية وغيرهم من العاملين في المهن التي تحمل قيمة اجتماعية كبيرة، بدلًا من حصر المكاسب الناتجة عن التكنولوجيا في قطاع الشركات والمستثمرين.
وأكد أن تحقيق هذا المسار قد يتطلب زيادة الضرائب، خصوصًا على الفئات والشركات التي تحقق أكبر استفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أن شركات التكنولوجيا ستظل قادرة على تحقيق أرباح كبيرة حتى في ظل وجود منافسة أقوى وضرائب أعلى.
مراكز البيانات تكشف حجم المخاوف من الذكاء الاصطناعي
وأشار ستيغليتز إلى أن المعارضة المتزايدة لمشروعات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لا ترتبط فقط بالمخاوف البيئية أو استهلاك الطاقة، وإنما تعكس مخاوف أوسع تتعلق بمستقبل الوظائف، وتوزيع الثروة، وتنامي النفوذ السياسي والاقتصادي لشركات التكنولوجيا الكبرى.
واعتبر أن تصاعد السخط الشعبي تجاه الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى عامل يهدد استدامة النجاح الاقتصادي والسياسي لهذه الصناعة إذا لم تتم معالجة المخاوف المرتبطة بها.
الذكاء الاصطناعي قادر على صناعة عصر جديد من الوفرة
رغم تحذيراته من الفقاعة والمخاطر الاقتصادية والاجتماعية، لم يستبعد ستيغليتز قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث تحول إيجابي واسع النطاق.
وأكد أن المخاوف الحالية بشأن مستقبل التكنولوجيا لها ما يبررها، وأن إدارة المرحلة الانتقالية ستكون مهمة شديدة الصعوبة، لكنه يرى في الوقت نفسه أن إدارة الذكاء الاصطناعي بصورة صحيحة يمكن أن تفتح الباب أمام عصر جديد من الوفرة الاقتصادية، وترفع مستويات الرفاه الاجتماعي إلى مستويات غير مسبوقة.




