تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي على وشك الارتفاع.. تقرير

تتجه شركات الذكاء الاصطناعي إلى تغيير سياسات التسعير التي اعتمدت عليها خلال السنوات الماضية لجذب المستخدمين، مع الانتقال تدريجيًا من الاشتراكات منخفضة التكلفة والعروض المدعومة إلى نماذج تحاسب العملاء وفق حجم الاستخدام الفعلي، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الشركات على تحمل النفقات المتزايدة، ومدى جدوى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بديلًا لبعض المهام البشرية.

فبعد فترة شجعت خلالها شركات التكنولوجيا المؤسسات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بحرية في الكتابة والتحليل والتلخيص والبرمجة، بدأت بعض الشركات تقليص العروض المجانية أو منخفضة التكلفة، وفرض رسوم إضافية على الاستخدام الذي يتجاوز الحدود المحددة في الاشتراكات.

شركات الذكاء الاصطناعي تنقل جزءًا من التكلفة إلى العملاء

تعتمد ملايين الشركات حول العالم على برامج تتضمن نماذج الذكاء الاصطناعي، من بينها أدوات مثل ChatGPT وClaude، إلى جانب حلول الأعمال التي تقدمها شركتا Workday وSAP. ومع توسع استخدام هذه الأدوات داخل المؤسسات، أصبحت تكاليف تشغيلها تمثل عنصرًا متزايد الأهمية في ميزانيات الشركات.

ووفقًا لتحليل نشرته مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو» في أغسطس 2026، تحمل مزودو تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن بينهم OpenAI وAnthropic، جزءًا من تكاليف الحوسبة بهدف جذب العملاء وتشجيعهم على استخدام منتجاتهم، قبل الاتجاه إلى نماذج تسعير ترتبط بالاستهلاك الفعلي.

وكانت الشركات تحصل في السابق على خدمات الذكاء الاصطناعي مقابل اشتراك شهري ثابت، يتيح للموظفين تجربة الأدوات والاستفادة منها في إنجاز المهام اليومية، دون أن تؤدي كل عملية استخدام بالضرورة إلى زيادة مباشرة في الفاتورة.

لكن هذا النموذج يتغير تدريجيًا، مع اتجاه مزودي الخدمات إلى تحميل العملاء جزءًا أكبر من تكاليف التشغيل، خصوصًا عند تجاوز حدود الاستخدام المشمولة في الاشتراكات.

الوكلاء الأذكياء يرفعون صعوبة تقدير النفقات

تزداد صعوبة حساب تكلفة الذكاء الاصطناعي مع انتشار الوكلاء الأذكياء القادرين على تنفيذ المهام بصورة مستقلة، إذ تختلف تكلفة العملية بحسب تعقيدها وعدد الخطوات التي تتطلبها والموارد الحاسوبية اللازمة لإنجازها.

فقد تكون تكلفة استخدام نموذج بسيط لإجراء بحث عبر الإنترنت محدودة، بينما ترتفع عند تكليفه بمهمة معقدة تتضمن كتابة الأكواد أو تحليل كميات كبيرة من البيانات أو تنفيذ سلسلة طويلة من الإجراءات دون تدخل بشري مستمر.

كما يمكن أن تؤدي الأخطاء والمحاولات المتكررة إلى زيادة الاستهلاك، وهو ما يجعل تحديد الميزانية مسبقًا أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تعمل الأدوات بصورة مستقلة لفترات طويلة.

ولا تتوقف النفقات عند تكلفة العملية الواحدة، بل تتأثر أيضًا بعدد الموظفين الذين يستخدمون الأدوات ومعدل الاستخدام اليومي. فقد تبدو الرسوم الإضافية لكل عملية محدودة، لكنها قد تتحول إلى أعباء مالية كبيرة عندما يستخدمها آلاف الموظفين داخل المؤسسة.

GitHub وAnthropic تغيران قواعد التسعير

بدأت ملامح التحول في نماذج التسعير تظهر بالفعل لدى عدد من الشركات. ففي يونيو 2026، انتقلت خدمة GitHub Copilot المخصصة للمساعدة في البرمجة إلى نظام يفرض رسومًا على الاستخدام الذي يتجاوز الحدود المقررة، بعدما أوضحت الشركة أن تحمل الزيادة في تكاليف الحوسبة لم يعد مستدامًا وفق النظام السابق.

ورغم استمرار أسعار الاشتراكات الشهرية الأساسية، أصبح تجاوز المخصصات المتفق عليها سببًا لفرض تكاليف إضافية على المؤسسات.

وتتبنى شركة Anthropic نموذجًا مشابهًا في بعض خطط Claude Enterprise، إذ تجمع هذه الخطط بين رسوم ثابتة للحساب وتكاليف منفصلة مرتبطة بالاستخدام. وبذلك، فإن دفع رسوم الاشتراك لا يعني بالضرورة أن جميع عمليات معالجة النصوص وقراءتها وتوليدها مشمولة دون حدود إضافية.

وبحسب الخطة المتعاقد عليها، يمكن للشركات شراء أرصدة للاستخدام مقدمًا أو دفع فاتورة شهرية تتحدد وفق حجم الاستهلاك.

Workday وSAP تستعدان لفرض رسوم إضافية

يمتد التحول إلى شركات برامج الأعمال التقليدية التي تضيف تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى منتجاتها. ووفقًا لما أوردته «هارفارد بيزنس ريفيو»، ينتهي في 31 يناير 2027 الإعفاء الذي كانت تقدمه Workday لبعض الرسوم المرتبطة بتجاوز حدود معينة لاتصالات البرامج.

كما يشير دليل التسعير الخاص بشركة SAP إلى أن تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين ينشئهم العملاء بأنفسهم سيصبح مدفوعًا اعتبارًا من نهاية عام 2026.

وتعكس هذه التغييرات اتجاهًا أوسع في سوق البرمجيات، إذ لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي مجرد ميزة إضافية يمكن تضمينها في الاشتراك الأساسي، بل أصبح عنصرًا قد تترتب عليه نفقات مستقلة تحتاج الشركات إلى مراقبتها وإدارتها.

ميزانيات الذكاء الاصطناعي تتزايد داخل الشركات

خلال الفترة الماضية، شجعت إدارات تنفيذية موظفيها على تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخدامها، لكن بعض المؤسسات اكتشفت سريعًا أن ميزانياتها المخصصة لهذه التقنيات لا تكفي لمواكبة الطلب.

ومن الأمثلة التي أوردتها تقارير إعلامية، استنفاد شركة أوبر ميزانيتها السنوية المخصصة لأدوات البرمجة بالذكاء الاصطناعي خلال أربعة أشهر فقط، ما دفعها إلى وضع قيود على الاستخدام الداخلي.

وفي السياق نفسه، أظهر مسح أجراه بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا أن الشركات كانت تخطط لإنفاق متوسط يبلغ 2068 دولارًا لكل موظف على الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026، بزيادة قدرها 52% مقارنة بعام 2025.

وتشمل هذه النفقات المعدات والتدريب والدعم، ولذلك لا تعني الزيادة بالضرورة ارتفاع سعر كل عملية استخدام، لكنها تعكس اتساع الاستثمارات التي تخصصها المؤسسات لهذه التكنولوجيا.

هل يصبح الذكاء الاصطناعي أغلى من الموظفين؟

يثير ارتفاع تكاليف الذكاء الاصطناعي تساؤلات بشأن الجدوى الاقتصادية لاستبدال الموظفين بهذه التقنيات، خصوصًا عندما تتطلب النتائج مراجعة بشرية وتصحيحًا مستمرًا.

وتشير أمثلة نقلتها تقارير إعلامية إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يكون أكثر تكلفة من أجور الموظفين في بعض الحالات. فقد أشار برايان كاتانزارو، المسؤول في شركة إنفيديا، إلى أن تكاليف الحوسبة المرتبطة باستخدام فريقه للذكاء الاصطناعي تتجاوز تكلفة أجور العاملين فيه.

ولا يمكن تعميم هذه التجربة على جميع الشركات أو الوظائف، لكنها توضح أن الذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة الخيار الأقل تكلفة في كل الظروف، خاصة عند احتساب النفقات التشغيلية وتكاليف المراجعة البشرية.

وقد تجد المؤسسات نفسها مضطرة إلى دفع تكاليف الأدوات الذكية، مع الاحتفاظ بالموظفين الذين يتولون التحقق من النتائج ومعالجة الأخطاء وصيانة الأنظمة والإشراف على أدائها.

الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطر طويلة الأجل

لا تقتصر المخاطر على ارتفاع الفواتير، بل تمتد إلى القرارات التي تتخذها الشركات بشأن مستقبل العمالة. فإذا استغنت مؤسسة عن موظفين ذوي خبرة اعتمادًا على أنظمة ذكاء اصطناعي منخفضة التكلفة مؤقتًا، فقد تواجه صعوبة في استعادة الخبرات البشرية عندما تتغير الأسعار أو تتراجع جدوى التشغيل الآلي.

وقد تكون إعادة بناء فريق عمل فقد خبراته أكثر تكلفة واستغراقًا للوقت من انتهاء عرض ترويجي أو زيادة رسوم خدمة رقمية.

لذلك، تحتاج الشركات إلى تقييم التكلفة الإجمالية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يشمل الاشتراكات ورسوم الاستهلاك والتدريب والدعم الفني، إلى جانب الوقت الذي يخصصه الموظفون لمراجعة المخرجات وتصحيحها.

وفي النهاية، لا يعني ارتفاع الأسعار أن الذكاء الاصطناعي سيفقد قيمته الاقتصادية، لكنه يجعل تقييم العائد من استخدامه أكثر أهمية. فالمعيار الحقيقي ليس مدى قدرة الشركات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكثافة، بل قدرتها على تحقيق مكاسب ملموسة تستمر حتى بعد انتهاء العروض المدعومة وبدء احتساب التكلفة الفعلية للاستهلاك.

 

إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1623

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *