وشملت الدراسة أكثر من 15 ألف طبيب متدرب في برامج الإقامة بتخصص طب الأسرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ونُشرت نتائجها في مجلة «طب الأسرة» (Family Medicine)، بقيادة ويندي بار، الطبيبة الحاصلة على درجتي الدكتوراه في الطب والماجستير في الصحة العامة، والأستاذة المساعدة للطب ومديرة برنامج الإقامة في طب الأسرة بمستشفى ييل نيو هيفن.
نحو 71% من الأطباء المتدربين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي
أوضحت الدراسة أن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الممارسات المهنية لدى نسبة كبيرة من الأطباء المتدربين، إلا أن الباحثين سعوا إلى تحديد حجم هذا الاستخدام، والتعرف على طبيعة الاستفادة من الأدوات المتاحة في المجال الطبي.
وتتنوع تطبيقات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الرعاية الصحية، بين أدوات تفريغ وتدوين المحادثات بين الطبيب والمريض، وقواعد البيانات المخصصة للبحث في المراجع الطبية، والبرامج التي تساعد في دعم القرارات السريرية المتعلقة بالتشخيص والعلاج.
وأشارت ويندي بار إلى أن الباحثين كانوا يدركون أن الأطباء المتدربين يستخدمون هذه التقنيات، لكنهم لم يمتلكوا بيانات واضحة تحدد عدد المستخدمين وأبرز مجالات الاستخدام قبل إجراء الدراسة.
نقص التدريب يثير المخاوف بشأن الاستخدام الطبي
رغم انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي بين الأطباء المتدربين، أظهرت النتائج أن 36% فقط من الذين أفادوا باستخدام هذه الأدوات تلقوا تدريبًا عليها أو شاركوا في أنشطة تعليم طبي مستمر خلال الأشهر الستة السابقة.
ويثير هذا التفاوت تساؤلات بشأن مدى استعداد الأطباء المتدربين للتعامل مع المعلومات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي، خاصة أن العمل الطبي يتطلب القدرة على تقييم الأدلة العلمية، والتحقق من دقة المعلومات، واختيار ما يناسب الحالة الصحية لكل مريض.
وحذرت الدراسة من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي دون تدريب كافٍ قد يدفع بعض المتدربين إلى قبول مخرجاته باعتبارها صحيحة دون مراجعة نقدية، بما قد يؤثر في قدرتهم على التفكير المستقل واتخاذ القرارات السريرية.
الاعتماد المفرط قد يضعف مهارات الأطباء
يمثل التقييم النقدي للأبحاث والدراسات الطبية عنصرًا أساسيًا في تعليم طلاب الطب وتدريب الأطباء خلال فترة الإقامة. ويساعد هذا التدريب على التمييز بين الأدلة العلمية الموثوقة والمعلومات غير الدقيقة، وتحديد مدى انطباق النتائج على الحالات المختلفة.
لكن الاعتماد غير المدروس على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تراجع بعض المهارات التي اكتسبها المتدربون بالفعل، أو تفويت فرص تعلم مهارات جديدة، إذا أصبحت هذه الأدوات بديلًا عن البحث والتحليل والتفكير المستقل.
وأكدت بار أن الأطباء يحتاجون إلى تعلم كيفية الوصول إلى المعلومات واستخدامها بكفاءة، مع التأكد من صحتها وملاءمتها للقرار الطبي، مشيرة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في التفكير السريري وآليات اتخاذ قرارات التشخيص والعلاج لا يزال مجالًا يحتاج إلى مزيد من البحث.
تدريب الأطباء على الذكاء الاصطناعي ضرورة لحماية المرضى
لا تعني نتائج الدراسة أن أدوات الذكاء الاصطناعي غير مفيدة في المجال الطبي، لكنها تؤكد أهمية تدريب الأطباء على استخدامها بطريقة صحيحة، وفهم حدودها، والتحقق من المعلومات التي تقدمها قبل الاستناد إليها في التعامل مع المرضى.
وترى بار أن التطور السريع في المعرفة الطبية يجعل امتلاك مهارات تقييم المعلومات أكثر أهمية، إذ لا توجد أداة واحدة يمكن الاعتماد عليها بصورة مطلقة في جميع الحالات، كما تختلف احتياجات المرضى والظروف السريرية من حالة إلى أخرى.
وشددت على ضرورة تعليم المتدربين كيفية توظيف هذه الأدوات بما يحقق فائدة فعلية للمرضى، مشبهة استخدامها بالأجهزة الطبية التقليدية التي لا ينبغي التعامل معها دون معرفة طريقة تشغيلها واستخدامها بشكل سليم.
إدماج الذكاء الاصطناعي في مناهج التعليم الطبي
توصي الدراسة بدمج التدريب على الذكاء الاصطناعي ضمن مناهج كليات الطب وبرامج الإقامة، وربطه بتعليم مهارات التقييم النقدي للأبحاث والمعلومات الطبية، حتى يتمكن الأطباء من الاستفادة من التقنيات الجديدة دون التخلي عن مسؤوليتهم في التحقق من النتائج واتخاذ القرارات المناسبة.
ويبرز هذا التوجه أهمية وضع قواعد تعليمية واضحة تحدد متى يكون استخدام الذكاء الاصطناعي مناسبًا، وكيفية تقييم مخرجاته، والحدود التي ينبغي مراعاتها عند الاستعانة به في الممارسة الطبية.
ومن المقرر أن تواصل بار أبحاثها اعتمادًا على نتائج استطلاعي عامي 2025 و2026، لدراسة العلاقة بين استخدام الأطباء المتدربين للذكاء الاصطناعي والنتائج المرتبطة بكيفية استخدامهم لهذه التكنولوجيا.
وتؤكد النتائج أن انتشار الذكاء الاصطناعي في التعليم الطبي لا ينبغي أن يقاس بعدد المستخدمين فقط، بل بمدى قدرتهم على توظيفه بصورة واعية وآمنة، مع الحفاظ على التفكير النقدي والمهارات المهنية التي تمثل أساس التشخيص والعلاج.




