وتصدرت هذه القضايا مناقشات جلستين ضمن فعاليات منتدى الاستثمار العالمي في العاصمة القطرية الدوحة، تناولتا فرص الذكاء الاصطناعي وتأثيره في الاقتصاد وسوق العمل، إلى جانب تطبيقات الوكلاء الأذكياء وتحديات الحوكمة والسيادة الرقمية.
وشارك في الجلستين مسؤولون حكوميون ومستثمرون ورواد أعمال وخبراء تكنولوجيا، ناقشوا انعكاسات التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي على ريادة الأعمال والتعليم وتطوير البرمجيات والبنية التحتية الرقمية.
شركات يديرها شخص واحد بمساعدة عشرات الوكلاء الأذكياء
استعرض فيليبي ماتوس، الرئيس التنفيذي لشركة «10 كيه ديجيتال»، نموذجًا لإدارة الأعمال يعتمد على تشغيل 47 وكيلًا للذكاء الاصطناعي لمساعدته في إدارة العمليات اليومية للشركة.
وأوضح أن الوكلاء يتوزعون على مهام متعددة، تشمل تصفية رسائل البريد الإلكتروني، واستخراج المعلومات والسياقات المهمة، وتحديد الرسائل التي تحتاج إلى رد، وإعداد المسودات، بينما يتولى ماتوس التعامل مع الحالات التي تتطلب تدخله المباشر.
وأشار إلى أن هذا النموذج لا يقتصر على خفض تكاليف التشغيل، بل يمتد إلى تسريع تطوير البرمجيات، إذ يمكن إنجاز تطبيقات خلال أسبوعين باستخدام الأدوات الذكية، بعدما كانت بعض المشروعات تتطلب فرق عمل متكاملة وفترات تطوير تصل إلى عامين.
وتوقع ماتوس أن يؤدي انتشار هذه التقنيات إلى زيادة إنتاج البرمجيات المخصصة وتراجع القيمة التجارية لبعض الحلول الجاهزة، مع انتقال المنافسة من القدرة على كتابة الأكواد البرمجية إلى امتلاك المعرفة المتخصصة والوصول إلى العملاء وجذب اهتمامهم.
الذكاء الاصطناعي يضغط على شركات البرمجيات التقليدية
من جانبه، توقع حمد الهاجري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «سنونو» القطرية، أن تواجه شركات البرمجيات التقليدية ضغوطًا متزايدة، خاصة الشركات المتخصصة في أنظمة إدارة علاقات العملاء (CRM) وتخطيط موارد المؤسسات (ERP)، ما لم تطور نماذج أعمالها وتستفد من قدرات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن بعض المؤسسات تنفق نحو 1.5 مليون ريال قطري سنويًا، بما يعادل قرابة 412 ألف دولار، على بعض الأنظمة، في حين قد تتمكن مستقبلًا من تطوير حلول مخصصة بتكلفة أقل من خلال الاستعانة بمهندسي الذكاء الاصطناعي.
ولفت الهاجري إلى أن التحول لا يقتصر على البرمجيات، بل يمتد إلى التطبيقات المادية التي تتفاعل مع العالم الحقيقي، مستعرضًا ثلاثة مسارات تعمل عليها الشركة، تشمل تطوير روبوتات لإعداد الطعام تستهدف القدرة على تنفيذ نحو ألف وصفة بحلول نهاية عام 2028، واستخدام الكاميرات والأنظمة الذكية لمراقبة العمليات داخل المطابخ والمطاعم بهدف تقليل الهدر، إلى جانب تخصيص تجارب التسوق الإلكتروني وفقًا للقدرة الشرائية للمستهلكين وتفضيلاتهم.
خفض تكاليف تأسيس الشركات يفتح فرصًا جديدة لرواد الأعمال
أجمع المشاركون في جلسة «الذكاء الاصطناعي في كل مكان: الفرص والتأثير والنفوذ» على أن الأدوات الذكية أصبحت تساعد رواد الأعمال على تقليل تكلفة إطلاق المشروعات واختبار الأفكار الاستثمارية.
وقال محمد خالد أحمد، نائب رئيس الذكاء الاصطناعي في شركة «أليغيتور» (Aligator)، إن استخدام النماذج الأولية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتيح لأصحاب المشروعات اختبار مدى ملاءمة منتجاتهم للسوق والوصول إلى العملاء بسرعة أكبر، دون الحاجة إلى تحمل الأعباء المالية المرتبطة بتكوين فرق عمل متخصصة منذ البداية.
ويسهم هذا التوجه في خفض الحواجز أمام تأسيس الشركات، لكنه يرفع في الوقت نفسه أهمية امتلاك مهارات فهم احتياجات السوق وتطوير المنتجات وبناء العلاقات مع العملاء، باعتبارها عوامل حاسمة في نجاح المشروعات.
الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف بشأن الوظائف المبتدئة
رغم الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لرواد الأعمال والشركات، حذر المشاركون من تأثير أتمتة المهام الأولية على فرص توظيف الشباب والخريجين الجدد.
وأشارت رهف أبو طربوش، المسؤولة عن المختبرات والمبادرات الابتكارية في قطر، إلى أن بعض الشركات قد تتجه إلى تقليل النفقات من خلال أتمتة المهام التي لا تتطلب خبرة واسعة، وهي المهام التي شكلت تقليديًا نقطة البداية أمام الخريجين لاكتساب الخبرة العملية وبناء مساراتهم المهنية.
واستشهدت ببيانات منسوبة إلى مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد، نُشرت في أغسطس 2026، تفيد بأن توظيف النساء في الفئة العمرية من 22 إلى 25 عامًا جاء أقل بنحو 19% من المستوى المتوقع.
ويطرح هذا التطور تحديًا أمام الشركات والمؤسسات التعليمية، يتمثل في إيجاد مسارات جديدة لتدريب الشباب وتأهيلهم، حتى لا يؤدي الاعتماد المتزايد على الأتمتة إلى تقليص فرص الدخول إلى سوق العمل.
التعليم يحتاج إلى التركيز على التفكير النقدي والمهارات العملية
أكد المشاركون أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يستدعي إعادة النظر في أساليب التعليم التقليدية، والانتقال من التركيز على الحفظ واسترجاع المعلومات إلى تنمية مهارات التحليل والتفكير النقدي وصياغة الأسئلة وتقييم النتائج واكتشاف الأخطاء.
وقال مرت ديديباس، المدير الإقليمي لمكاتب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا في كلية فرانكفورت للتمويل والإدارة، إن المؤسسات التعليمية لا تمتلك حتى الآن رؤية واضحة تمامًا للمهارات التي سيحتاج إليها سوق العمل مستقبلًا، ما يجعل تطوير برامج مرنة لإعادة التأهيل والتعلم المستمر أمرًا ضروريًا.
بدورها، أشارت أبو طربوش إلى إمكانية اكتساب مهارات إبداعية ومتقدمة عبر الإنترنت، دون أن يكون الالتحاق ببرامج جامعية طويلة المسار الوحيد لاكتساب المعرفة.
كما ناقش المشاركون مخاطر استخدام خوارزميات التوظيف التي تعتمد على فرز السير الذاتية وفقًا للكلمات المفتاحية، إذ قد تستبعد مرشحين مؤهلين لا تتطابق سيرهم الذاتية مع معايير الفرز الآلي.
وأكدت آمنة الكعبي، رئيسة قسم التكنولوجيا الناشئة بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات القطرية، أهمية مراجعة نماذج التوظيف والبيانات التي تعتمد عليها بصورة دورية، لضمان العدالة ومنع تحول الأدوات الذكية إلى عائق أمام الباحثين عن فرص العمل.
قطر تعزز الاستثمار في الذكاء الاصطناعي السيادي
استعرضت آمنة الكعبي التجربة القطرية في تطوير البنية التحتية الرقمية والسياسات المنظمة للذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى تدريب أكثر من 9 آلاف موظف حكومي ضمن برامج التحول الرقمي.
كما تناولت مفهوم «الذكاء الاصطناعي السيادي»، الذي يشير إلى قدرة الدول على تطوير منظومات ذكية تراعي لغتها وهويتها وقيمها، وتحافظ على بياناتها وتخدم أولوياتها الوطنية، مع الاستمرار في التعاون مع الشركاء الدوليين.
وأوضحت أن تعزيز الحوكمة الأخلاقية وإشراك المجتمع والشباب والشركات الناشئة في إعداد السياسات يمثلان جزءًا من هذا التوجه، مشيرة إلى منصة «شارك» بوصفها إحدى وسائل إشراك الأطراف المختلفة في مناقشة السياسات وصياغة الأطر التنظيمية.
فرص الاستثمار تمتد من الرقائق الإلكترونية إلى التطبيقات المتخصصة
على صعيد الاستثمار، أوضح فان فانغ، الشريك المؤسس لمجموعة «ووتر وود للاستثمار»، أن الفرص المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تشمل قطاعات متعددة، تبدأ من إمدادات الطاقة والرقائق الإلكترونية ووحدات المعالجة والبنية التحتية الحاسوبية، وتمتد إلى النماذج الأساسية والتطبيقات المتخصصة في الصناعة والتعليم ورعاية كبار السن.
كما أشار إلى إمكانات استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم المركبات الكيميائية وتحديد الأهداف العلاجية المرتبطة بالسرطان.
وحذر فانغ من تركز تطوير النماذج الأساسية لدى عدد محدود من الشركات الكبرى في الولايات المتحدة والصين، معتبرًا أن توسع هذه الشركات نحو التطبيقات النهائية قد يزيد الضغوط على الشركات الناشئة.
وتطرق كذلك إلى تحديات السيادة الرقمية والتحيزات الثقافية والسياسية المحتملة في النماذج المغلقة، داعيًا الدول إلى الاستفادة من النماذج مفتوحة الأوزان وتدريبها على بيانات وسياقات محلية، بما يدعم استقلاليتها التقنية وقدرتها على تلبية احتياجات مجتمعاتها.
من جانبها، أشارت سمر تشن، ممثلة منظومة الشراكات الدولية في شركة «زد تي إي» (ZTE)، إلى أن قطاع الاتصالات يتجه نحو تطوير شبكات وبنى تحتية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لربط الأجهزة والروبوتات والمنازل من خلال معايير تقنية مشتركة.
هل يمكن إبطاء سباق الذكاء الاصطناعي؟
ناقشت الجلسات إمكانية إبطاء تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي مؤقتًا لإتاحة الوقت لتقييم مخاطرها، إلا أن ماتوس استبعد إمكانية تطبيق هذا التوجه عمليًا في ظل المنافسة الجيوسياسية والتكنولوجية المتصاعدة بين القوى الكبرى.
وفيما يتعلق بمستقبل الأعمال خلال السنوات الخمس المقبلة، توقع فانغ أن يتولى المساعد الذكي جانبًا كبيرًا من أعمال البحث والتحليل، ما يمنح المستثمرين وقتًا أكبر للتواصل مع مؤسسي الشركات وتقييم الفرص الاستثمارية.
أما الهاجري، فرأى أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى ما يشبه «عقلًا ثانيًا» يساعد على اختصار الوقت اللازم لتحويل الأفكار إلى منتجات، من أشهر إلى نحو نصف ساعة في بعض الحالات، مع تزايد أهمية دور الإنسان في تحديد الرؤية الاستراتيجية والابتكار.
مستقبل الذكاء الاصطناعي بين النمو الاقتصادي والعدالة الرقمية
تعكس المناقشات التي شهدها منتدى الاستثمار العالمي في الدوحة اتساع تأثير الذكاء الاصطناعي في نماذج الأعمال والاستثمار والتعليم والتوظيف، مع تزايد قدرة الأفراد والشركات الصغيرة على تطوير منتجات وخدمات كانت تتطلب في السابق موارد مالية وبشرية أكبر.
لكن هذه التحولات تفرض تحديات تتعلق بمستقبل الوظائف المبتدئة، وعدالة استخدام الخوارزميات، وحماية البيانات، وتركيز القوة التقنية لدى عدد محدود من الشركات.
ويتمثل التحدي الأساسي في تحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي ووضع ضوابط تضمن توزيع ثماره بصورة أكثر عدالة، مع الاستثمار في مهارات الإنسان وتعزيز استقلالية الدول الرقمية، بما يحد من اتساع الفجوات الاقتصادية والتكنولوجية.




