أنثروبيك: الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة جديدة في تطوير الأدوية

تتجه شركة أنثروبيك الأميركية إلى توسيع حضورها في مجال علوم الحياة، من خلال تأسيس مختبر للتجارب البيولوجية في منطقة خليج سان فرانسيسكو، في خطوة تعكس انتقال استخدام الذكاء الاصطناعي من مرحلة التحليلات والنماذج الحاسوبية إلى إجراء تجارب عملية في المختبرات.

وبحسب مصدرين مطلعين نقلت عنهما وكالة رويترز، تعمل الشركة على تطوير قدراتها البيولوجية بهدف توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي في أبحاث اكتشاف الأدوية، مع اهتمام خاص بالأمراض النادرة والمجالات التي لا تجذب شركات الأدوية التقليدية بسبب محدودية العائد المالي المتوقع.

مختبر بيولوجي تابع لأنثروبيك

أكد إريك كاودرر-أبرامز، رئيس علوم الحياة في أنثروبيك، وجود المختبر التابع للشركة، موضحًا أن التجارب العملية تظل عنصرًا حاسمًا في علوم الأحياء، رغم التطور المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي.

وأشار إلى أن الشركة تنفذ جزءًا من أعمالها داخل منشآتها الخاصة، بينما تعتمد في أجزاء أخرى على التعاون مع شركاء خارجيين، وهو نهج وصفه بأنه قريب مما تتبعه شركات التكنولوجيا الحيوية الأخرى.

وفي وقت لاحق، أوضح متحدث باسم أنثروبيك أن المختبر لا يخصص لاكتشاف الأدوية بشكل مباشر، لكنه لم يقدم تفاصيل إضافية بشأن طبيعة الأنشطة التي تجري داخله.

الذكاء الاصطناعي يسرّع تحليل الجزيئات الحيوية

بالتزامن مع ذلك، كشفت أنثروبيك عن تطور جديد في استخدام نموذج Claude لتحسين أداء نماذج مفتوحة المصدر يعتمد عليها الباحثون في التنبؤ بالجزيئات الحيوية.

وقالت الشركة إنها تمكنت خلال أقل من أربعة أسابيع من تحسين أكثر من 30 نموذجًا، ما أدى إلى تسريع أدائها بنحو أربعة أضعاف في المتوسط، إلى جانب خفض متطلبات الذاكرة اللازمة لتشغيلها.

وطورت أنثروبيك كذلك وضعًا منخفض استهلاك الذاكرة يتيح إجراء تنبؤات دقيقة للأنظمة الجزيئية الحيوية التي يتجاوز حجمها 10 آلاف رمز، بما يشمل الأحماض الأمينية والنيوكليوتيدات والذرات والجزيئات والأيونات الصغيرة، باستخدام شرائح معالجة الرسوميات من NVIDIA.

مسابقة لتصميم البروتينات

وتعتزم أنثروبيك إتاحة الشيفرات البرمجية التي جرى تحسينها كمصادر مفتوحة، كما أعلنت عن مسابقة لتصميم البروتينات بالتعاون مع Adaptyv Bio.

وتتضمن المبادرة ما يصل إلى مليون دولار من اعتمادات استخدام Claude، إلى جانب التحقق المخبري من أكثر من 5 آلاف تصميم، في محاولة لربط قدرات الذكاء الاصطناعي بالتجارب البيولوجية الواقعية.

لكن الشركة أقرت بأن التجربة احتاجت إلى موارد حوسبية كبيرة، إذ سمحت للتطبيق بإنفاق ما يصل إلى 10 آلاف دولار لكل هدف على منصة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي Modal، بما يعادل نحو 2500 ساعة من استخدام وحدة معالجة الرسوميات NVIDIA H100.

أنثروبيك تتجه إلى أبحاث ما قبل السريرية

وكانت الشركة قد أعلنت خلال فعالية في سان فرانسيسكو في يونيو الماضي خططًا لإطلاق برامج في مجال تطوير الأدوية.

وأوضح كاودرر-أبرامز حينها أن أنثروبيك تعتزم التركيز على أبحاث ما قبل المرحلة السريرية في مجالات لا تحظى باهتمام كافٍ من شركات الأدوية التقليدية، خصوصًا عندما تكون الجدوى التجارية محدودة.

وتعمل الشركة حاليًا على توسيع قدراتها المختبرية الداخلية بهدف تسريع الأبحاث واكتساب خبرة عملية أكبر في علوم الأحياء، مع استمرارها في الاستعانة بشركاء خارجيين عندما يكون ذلك أكثر كفاءة.

أمراض نادرة خارج دائرة الاهتمام التجاري

تسعى أنثروبيك إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في مواجهة أمراض نادرة ترى أن صناعة الأدوية لا تمنحها القدر الكافي من الاهتمام، في ظل ارتفاع تكلفة تطوير العلاجات وصعوبة تحقيق عائد تجاري مناسب في بعض هذه المجالات.

ويرتبط هذا التوجه أيضًا برؤية الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي، الذي أشار في مقال حديث إلى وفاة والده بسبب مرض قبل سنوات قليلة من التوصل إلى علاج له.

وقال كاودرر-أبرامز إن علوم الحياة تمثل، من وجهة نظر الشركة، فرصة كبيرة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لتحقيق منفعة أوسع، وهو ما يدفع أنثروبيك إلى الاستثمار في هذا المسار.

طريق طويل من المختبر إلى الدواء

ورغم التطورات التي تحققها الشركة في مجال النمذجة البيولوجية، فإن انتقال هذه التقنيات إلى أدوية متاحة للمرضى لا يزال يتطلب سنوات من البحث والتطوير.

فحتى بعد تحديد جزيء واعد، يحتاج الدواء إلى المرور بمراحل متعددة، تشمل اختبارات ما قبل السريرية ثم التجارب السريرية على البشر لإثبات السلامة والفاعلية قبل الحصول على الموافقات التنظيمية.

ولم تدخل أنثروبيك حتى الآن مرحلة التجارب السريرية، إذ تركز استراتيجيتها الحالية على الأبحاث السابقة لهذه المرحلة.

أنثروبيك تضع حدودًا لمنافسة شركات الأدوية

وقال كاودرر-أبرامز إن الشركة قررت في الوقت الحالي عدم الانخراط في التجارب السريرية، موضحًا أن أنثروبيك تريد التركيز على المجالات التي لا تحظى باهتمام كافٍ، بدلًا من منافسة شركات الأدوية والتكنولوجيا الحيوية التي تقوم أعمالها الأساسية على تطوير العلاجات وطرحها في الأسواق.

وتقدم أنثروبيك بالفعل أدوات وخدمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لعدد من شركات الأدوية الكبرى، من بينها جينينتيك التابعة لمجموعة روش، وبريستول مايرز سكويب، ونوفو نورديسك.

مخاوف من استخدام بيانات شركات الأدوية

وفي المقابل، تواجه أنثروبيك تحديًا يتعلق بثقة شركات الأدوية، إذ تخشى بعض الشركات من إمكانية استفادة الشركة الناشئة من البيانات المرتبطة ببرامجها الدوائية في تطوير برامج منافسة.

وتؤكد أنثروبيك أنها تعزل بيانات العملاء وتحميها، فيما يشكل دخولها التدريجي إلى العمل البيولوجي المباشر اختبارًا جديدًا لمدى قدرة الشركة على الجمع بين تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وإجراء أبحاث علمية تطبيقية.

ولا يزال نطاق الأمراض التي تستهدفها برامج أنثروبيك الدوائية وحجم التقدم الذي أحرزته غير واضحين، بينما تشير طبيعة المشروع إلى أن الشركة لا تزال في مرحلة مبكرة من رحلة طويلة قد تمتد لسنوات قبل الوصول إلى علاجات قابلة للاستخدام السريري.

 

إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2175

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *