الجمعية الطبية الأمريكية ترد على دراسة تزعم تفوق الذكاء الاصطناعي على الأطباء

أثارت ورقة بحثية حديثة جدلًا واسعًا في الأوساط الطبية، بعدما خلصت إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على الأطباء في عدد من المهام الطبية المعرفية، بل وذهبت إلى أن الرعاية الصحية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وحده قد تصبح أفضل من الرعاية التي يقدمها الطبيب بمفرده أو تلك التي تجمع بين الطبيب والذكاء الاصطناعي.

وجاءت هذه النتائج بعد مراجعة مئات الدراسات المتعلقة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، إلا أن عددًا من الأطباء والجهات الطبية أبدوا تحفظات قوية على المنهجية والاستنتاجات التي توصلت إليها الورقة.

دراسة تزعم تفوق الذكاء الاصطناعي في الطب

نشرت مجلة الجمعية الطبية الأمريكية ورقة بحثية أعدها عالم الأخلاقيات الحيوية إيزيكيل إيمانويل، بالتعاون مع المستثمر في مجال التكنولوجيا فينود خوسلا.

وذهبت الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة للأطباء، وإنما يمكن أن يتفوق عليهم في بعض المهام الطبية المعرفية، مع توقعات بأن تتوسع قدراته خلال السنوات المقبلة.

وقال مؤلفا الدراسة إن الرعاية الطبية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده قد تصبح، في بعض المجالات المعرفية، أفضل من الرعاية التي يقدمها الطبيب وحده أو الرعاية الهجينة التي تجمع بين الطبيب والذكاء الاصطناعي.

الجمعية الطبية الأمريكية تنتقد نتائج الدراسة

واجهت هذه الاستنتاجات انتقادات من عدد من الأطباء، كان من أبرزهم جون وايت، الرئيس التنفيذي للجمعية الطبية الأمريكية.

وأشار وايت إلى أن بعض الدراسات التي اعتمدت عليها الورقة البحثية استندت إلى عمليات محاكاة، وليس إلى تجارب معماة تُعد من أقوى المعايير المستخدمة في تقييم التدخلات الطبية.

كما أوضح أن بعض الأبحاث التي جرى الاستناد إليها لا تتفق بالضرورة مع الاستنتاج النهائي الذي توصل إليه مؤلفا الدراسة بشأن تفوق الذكاء الاصطناعي على الأطباء.

تحذير من الاستغناء عن الإشراف الطبي

أكد وايت أن الجمعية الطبية الأمريكية ترى إمكانات كبيرة للذكاء الاصطناعي في تطوير الرعاية الصحية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة استخدام هذه التقنيات ضمن خطة علاجية يشرف عليها طبيب.

ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية لدعم القرار الطبي، لكن ذلك لا يعني أن يصبح منفصلًا عن الإشراف البشري، خصوصًا في الحالات التي تتطلب تقييمًا سريريًا معقدًا أو مراعاة ظروف المريض الفردية.

5 مهام يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي

ركزت الورقة البحثية على التقدم الذي حققته أنظمة الذكاء الاصطناعي منذ ظهور أدوات المحادثة الحديثة وانتشارها على نطاق واسع بعد إطلاق ChatGPT في نوفمبر 2022.

وخلص الباحثان إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتفوق بالفعل على الأطباء في خمس مهام طبية أساسية، من بينها استخراج المعلومات الطبية المهمة من المرضى، والمساعدة في تشخيص الحالات، وإجراء الفحوصات التشخيصية، وإدارة الأمراض المزمنة.

وتعكس هذه النتائج التطور المتسارع في قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات ضخمة من المعلومات الطبية وربط الأعراض والبيانات للوصول إلى استنتاجات محتملة.

هل يتراجع أداء الأطباء بسبب الذكاء الاصطناعي؟

تطرح الدراسة أيضًا مخاوف بشأن تأثير الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في مهارات الأطباء أنفسهم.

ويرى مؤلفا الورقة أن التطور السريع لأنظمة الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بينها وبين الأطباء، خاصة إذا أصبح الأطباء يعتمدون عليها بصورة متزايدة في أداء المهام التي كانوا ينجزونها بأنفسهم.

وقد يؤدي هذا الاعتماد، وفق هذا الطرح، إلى تراجع بعض المهارات الطبية مع مرور الوقت، وهو ما يثير مخاوف بالفعل بين بعض كبار الأطباء بشأن اعتماد طلاب الطب بصورة مفرطة على أدوات الذكاء الاصطناعي.

جدل حول الجمع بين الطبيب والذكاء الاصطناعي

من أكثر نتائج الدراسة إثارة للجدل قول الباحثين إن النماذج التي تجمع بين الطبيب والذكاء الاصطناعي قد لا تحقق دائمًا أفضل أداء.

ووفقًا للورقة، أظهرت بعض النتائج أن الأنظمة الهجينة يمكن أن يكون أداؤها أقل من أداء الذكاء الاصطناعي بمفرده في بعض المهام.

وبناءً على ذلك، يطرح الباحثان احتمال أن يصبح تدخل البشر عاملًا يحد من جودة الرعاية في بعض المجالات مع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي.

لكن هذا الاستنتاج لا يحظى بإجماع طبي، خاصة أن جودة الرعاية الصحية لا تعتمد فقط على القدرة على تحليل المعلومات أو الوصول إلى التشخيص، وإنما تشمل أيضًا التواصل مع المريض، وفهم ظروفه، واتخاذ القرارات الأخلاقية والسريرية المناسبة.

الأطباء يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل

في المقابل، أصبح استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين الأطباء واقعًا متزايدًا، وليس مجرد احتمال مستقبلي.

وتشير بيانات داخلية من OpenEvidence، وهي منصة مصممة لمساعدة الأطباء في البحث والاستفسارات الطبية، إلى أن نحو ثلثي الأطباء في الولايات المتحدة يستخدمون الأداة.

ويعكس ذلك اتجاهًا متناميًا نحو دمج الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية، مع استمرار النقاش حول الحدود المناسبة لاستخدامه ودور الطبيب في اتخاذ القرار النهائي.

الذكاء الاصطناعي يحقق تقدمًا في الجراحة

يتزامن الجدل حول مستقبل الطبيب مع تحقيق الذكاء الاصطناعي تقدمًا جديدًا في التطبيقات الطبية العملية.

وفي أحدث الأمثلة، أعلن فريق من جراحي الأعصاب في المملكة المتحدة استخدام أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقديم إرشادات خلال عملية جراحية لإزالة ورم من دماغ أحد المرضى.

ويشير هذا التطور إلى توسع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، من تحليل المعلومات وتشخيص الحالات إلى المساعدة في الإجراءات الجراحية المعقدة.

مستقبل العلاقة بين الطبيب والذكاء الاصطناعي

تفتح الدراسة بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل الرعاية الصحية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن استمرار الخلاف بشأن الطريقة المثلى لدمج الذكاء الاصطناعي في الطب.

وبينما يرى بعض الباحثين أن التطور المتسارع لهذه التقنيات قد يجعلها تتفوق على البشر في عدد متزايد من المهام، يؤكد أطباء ومؤسسات طبية أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لا تعني بالضرورة الاستغناء عن الطبيب.

ويبقى التحدي الأساسي هو تحديد المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم فيها أفضل أداء، مع الحفاظ على الإشراف الطبي البشري في القرارات التي تتطلب خبرة سريرية وحكمًا مهنيًا وتواصلًا مباشرًا مع المريض.

 

 

شارك هذا الخبر
إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2132

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *