الصين تتصدر سباق الذكاء الاصطناعي بدمجه في التسوق والدفع والخدمات الرقمية

تتجه الصين إلى تعزيز موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي من خلال دمج تقنياته في مختلف جوانب الحياة الرقمية، بداية من التسوق الإلكتروني والدفع، وصولًا إلى طلب الطعام وسيارات الأجرة، في نموذج يختلف عن النهج الأكثر اعتمادًا على تطبيقات الدردشة المستقلة في الولايات المتحدة.

وبحسب تقرير نشرته وكالة «بلومبيرغ»، لا يتوقف التنافس العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي على تطوير النماذج الأكثر قدرة على حل المسائل المعقدة، بل يمتد إلى بناء أنظمة رقمية تجعل استخدام هذه التكنولوجيا جزءًا من الأنشطة اليومية للمستخدمين.

ويمنح هذا النهج الشركات الصينية فرصة لتوسيع انتشار الذكاء الاصطناعي عبر التطبيقات التي يستخدمها المستهلكون بالفعل، دون الحاجة إلى الانتقال إلى تطبيق مستقل أو البحث عن أداة متخصصة في كل مرة.

الذكاء الاصطناعي يدخل تفاصيل الحياة اليومية في الصين

بينما يتجه كثير من المستخدمين في الولايات المتحدة إلى تطبيقات مثل «شات جي بي تي» و«جيميني» و«كلود» للتفاعل مباشرة مع روبوتات الدردشة، تعتمد الصين بصورة متزايدة على دمج الذكاء الاصطناعي داخل الخدمات الرقمية القائمة.

ويظهر هذا التوجه في تطبيقات التسوق والدفع الإلكتروني وطلب الوجبات وخدمات النقل، إذ يمكن للمستخدم الاستفادة من خصائص الذكاء الاصطناعي خلال تنفيذ معاملاته المعتادة، دون أن يكون استخدامه للتكنولوجيا هدفًا مستقلًا في حد ذاته.

ويعزز هذا النموذج فرص وصول الذكاء الاصطناعي إلى شرائح واسعة من المستهلكين، خاصة مع اعتياد المستخدمين على إنجاز العديد من احتياجاتهم من خلال تطبيقات رقمية متكاملة.

بايت دانس وعلي بابا وتينسنت تدعم انتشار الذكاء الاصطناعي

تمتلك شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى، مثل «بايت دانس» و«علي بابا» و«تينسنت»، منظومات رقمية واسعة تضم خدمات متنوعة، ما يسهل دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في التطبيقات التي يستخدمها ملايين الأشخاص.

وتستفيد هذه الشركات من وجود خدمات مترابطة داخل أنظمتها، إلى جانب البيانات المرتبطة باستخدام التطبيقات وسلوك المستهلكين، مثل سجل المشتريات والتفاعلات الرقمية، بما يتيح تطوير خدمات أكثر تخصيصًا.

ويشير هذا النموذج إلى أن المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي لا تعتمد على جودة النماذج وحدها، بل تشمل أيضًا حجم قاعدة المستخدمين، ومدى انتشار التطبيقات، وقدرة الشركات على تحويل التكنولوجيا إلى خدمات عملية يسهل الوصول إليها.

700 مليون مستخدم للذكاء الاصطناعي التوليدي في الصين

تشير الأرقام الواردة في التقرير إلى أن نحو 700 مليون شخص في الصين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يعادل قرابة نصف سكان البلاد.

كما تضم قائمة التطبيقات الصينية البارزة مساعد «دوباو» التابع لشركة «بايت دانس»، إلى جانب تطبيق «ديب سيك»، اللذين برزا ضمن التطبيقات المؤثرة في سوق الذكاء الاصطناعي من حيث أعداد المستخدمين النشطين، وفقًا للبيانات التي أشار إليها التقرير نقلًا عن شركة رأس المال الاستثماري «أندريسن هورويتز».

ويعكس انتشار هذه التطبيقات اتساع قاعدة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الصين، ويمنح الشركات المحلية فرصًا لاختبار خدماتها وتطويرها على نطاق كبير.

الولايات المتحدة تتقدم في القدرات والصين في التبني

تسلط المقارنة بين الصين والولايات المتحدة الضوء على اختلاف مسارات المنافسة؛ فبينما تركز شركات أميركية على تطوير نماذج متقدمة وتطبيقات مستقلة، تستفيد الشركات الصينية من دمج الذكاء الاصطناعي داخل منظومات رقمية قائمة بالفعل.

وبحسب التقرير، قد تمتلك الولايات المتحدة مزايا في بعض جوانب القدرات التقنية، لكن الصين تحقق انتشارًا واسعًا للتكنولوجيا من خلال ربطها بالخدمات التي يعتمد عليها المستخدمون يوميًا.

ويعني ذلك أن التفوق في سباق الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بمدى تقدم النموذج، بل أيضًا بقدرة الشركات على توفيره للمستخدمين بصورة سهلة ومستمرة، وتحويله إلى جزء أساسي من التجربة الرقمية.

مخاوف الخصوصية تعرقل انتشار الأنظمة الرقمية المتكاملة

في المقابل، يواجه نموذج دمج الذكاء الاصطناعي داخل منظومات رقمية واسعة تساؤلات بشأن الخصوصية وتركيز البيانات لدى عدد محدود من الشركات.

ويشعر بعض المستخدمين في الدول الغربية بالقلق إزاء جمع كميات كبيرة من المعلومات الشخصية داخل أنظمة تتيح للشركات الوصول إلى بيانات تتعلق بالمشتريات والمواقع والعلاقات الاجتماعية، وهو ما قد يدفعهم إلى تفضيل خدمات منفصلة أو أقل ارتباطًا ببعضها.

وأشار التقرير إلى أمثلة على القيود التي تواجه بعض التطبيقات، من بينها حظر شركة أمازون تطبيق «ميوز» التابع لشركة «ميتا»، في حين لا يقدم معظم مستخدمي تطبيق الذكاء الاصطناعي الناشئ «إنستينكت» بيانات بطاقاتهم الائتمانية، وفقًا لما أورده التقرير.

وتوضح هذه الأمثلة أن توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على القدرات التقنية وحدها، بل يتأثر أيضًا بثقة المستخدمين في الشركات، واستعدادهم لمشاركة بياناتهم، ومدى شعورهم بالأمان عند استخدام الخدمات المتكاملة.

مستقبل المنافسة يتوقف على دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات

تؤكد التجربة الصينية أن انتشار الذكاء الاصطناعي قد يرتبط بمدى اندماجه في الحياة اليومية، وليس فقط بقدرة المستخدم على فتح تطبيق مستقل والتحدث إلى نموذج ذكي.

ومع استمرار المنافسة بين الشركات الأميركية والصينية، ستظل عوامل مثل سهولة الاستخدام، وتنوع الخدمات، وحماية البيانات، وجودة النماذج مؤثرة في تحديد اتجاهات السوق العالمية.

وبينما تسعى الشركات الأميركية إلى توسيع استخدام تطبيقاتها وأدواتها، تراهن الشركات الصينية على منظومات رقمية تجعل الذكاء الاصطناعي حاضرًا في أنشطة المستخدمين اليومية. وقد يصبح نجاح هذا النموذج عاملًا مهمًا في تحديد الشركات الأكثر قدرة على تحويل التطور التقني إلى انتشار تجاري واسع.

 

إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1597

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *