المحاكم الأمريكية تحسم الجدل.. متى تصبح محادثات الذكاء الاصطناعي محمية من الخصوم؟

أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد القضايا القانونية واقعاً متزايداً، من صياغة المذكرات والطلبات القضائية إلى اختبار الحجج وتنظيم الوقائع.

ومع انتشار هذه الأدوات، يواجه المحامون والمتقاضون سؤالاً قانونياً جديداً: هل يمكن للخصم الوصول إلى المحادثات التي أجراها الطرف الآخر مع أدوات الذكاء الاصطناعي، بما فيها الأوامر التي كتبها والمستندات التي حمّلها والإجابات التي تلقاها؟

هل يمكن للخصم طلب محادثات الذكاء الاصطناعي؟

بالنسبة إلى الخصوم، قد تمثل سجلات محادثات الذكاء الاصطناعي مصدراً مهماً للمعلومات، لأنها قد تكشف الأفكار القانونية التي جرى بحثها، ونقاط الضعف التي ناقشها الطرف الآخر، والاستراتيجيات التي كان يدرسها أثناء إعداد القضية.

أما بالنسبة إلى الطرف الذي أنشأ هذه المحادثات، فقد تكون بمثابة دفتر ملاحظات رقمي يتضمن أفكاراً أولية واستراتيجيات قانونية لم تكن مخصصة للمشاركة مع الخصم.

محاكم أميركية تمنح حماية لمحادثات AI

شهد يونيو 2026 صدور حكمين قضائيين مهمين في ولايتين أميركيتين، وانتهى كلاهما إلى حماية بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي في إعداد القضايا من الكشف للطرف الآخر.

وفي 3 يونيو، قضت محكمة الأعمال في تكساس في قضية Tate Group Automotive, LLC v. Legacy Automotive Capital, LLC بأن محادثات أحد أطراف الدعوى مع ChatGPT يمكن أن تتمتع بحماية مبدأ “منتج العمل” القانوني.

وفي اليوم التالي، أصدرت المحكمة العليا في نيويورك، مقاطعة ناسو، حكماً في قضية Assini v. Hayward رفضت بموجبه طلبات للحصول على أوامر ومحفوظات وملفات ومخرجات الذكاء الاصطناعي التي استخدمها أحد أطراف القضية في إعداد ملفاته.

نيويورك تحمي مساحة العمل القانونية للذكاء الاصطناعي

في قضية Assini v. Hayward، حاول المدعون الحصول على معلومات من مزود خدمة الذكاء الاصطناعي بشأن حساب استخدمه المدعى عليه، الذي كان يمثل نفسه، في إعداد المذكرات والوثائق المتعلقة بالقضية.

ورأت المحكمة أن المتقاضي الذي يمثل نفسه يمكنه الاستفادة من حماية “منتج العمل” ومواد الإعداد للمحاكمة عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي في تطوير استراتيجيته القانونية.

واعتمدت المحكمة على منطق حكم سابق في قضية Morgan v. V2X، Inc.، معتبرة أن استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة سرية ولأغراض استراتيجية يمكن أن يدخل ضمن حماية مواد الإعداد للمحاكمة.

استخدام ChatGPT لا يسقط السرية تلقائياً

من أبرز ما خلصت إليه المحكمة في نيويورك أن استخدام أداة ذكاء اصطناعي تجارية لا يعني تلقائياً فقدان الحماية القانونية.

ورفضت المحكمة فكرة أن إدخال استراتيجية القضية في خدمة ذكاء اصطناعي تابعة لطرف ثالث يؤدي بمفرده إلى إسقاط حماية المعلومات.

وبذلك وضعت المحكمة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في سياق مشابه لوسائل أخرى يستخدمها المتقاضي للتفكير في قضيته، مثل دفتر الملاحظات أو مناقشة الأفكار مع شخص يساعده في التحضير.

الحماية لا تعني السماح بإساءة استخدام الذكاء الاصطناعي

أكد الحكم في الوقت نفسه أن حماية محادثات الذكاء الاصطناعي لا تعني إعفاء المستخدم من المسؤولية عن الأخطاء أو سوء الاستخدام.

فالقواعد الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم تظل قائمة، ويمكن أن يتعرض المحامي أو المتقاضي للعقوبات إذا قدم استشهادات قانونية وهمية أو معلومات غير موثقة أو مستندات لم تتم مراجعتها بصورة كافية.

وبالتالي، فإن حماية محتوى محادثات الذكاء الاصطناعي من الكشف لا تمنح حصانة من العقوبات القضائية المرتبطة بالاستخدام غير المسؤول للتكنولوجيا.

محكمة تكساس توسع حماية “منتج العمل”

جاء حكم محكمة الأعمال في تكساس أكثر اتساعاً من حكم نيويورك في جانب مهم.

ففي قضية Tate Group Automotive, LLC v. Legacy Automotive Capital, LLC، رأى القاضي غرانت دورفمان أن محادثات ChatGPT التي أجراها أحد أطراف القضية يمكن أن تخضع لحماية “منتج العمل”، رغم أن المحادثات لم تكن بين محامٍ وموكله.

واعتبرت المحكمة أن قواعد تكساس الخاصة بمنتج العمل تشمل المواد التي يتم إعدادها أو الانطباعات الذهنية التي يتم تطويرها تحسباً للتقاضي، سواء أعدها الطرف نفسه أو أحد ممثليه.

اختلاف بين المحاكم حول حماية محادثات AI

استند المدعى عليهم في قضية تكساس إلى حكم اتحادي سابق، هو United States v. Heppner، الذي رفض مطالبات مماثلة بالحماية.

لكن المحكمة رأت أن ذلك الحكم لا ينطبق على القضية محل النظر، لأن النزاع الحالي يخضع لقواعد حماية منتج العمل في تكساس، وليس للمعيار الفيدرالي الذي تناولته قضية Heppner.

ويشير ذلك إلى أن الحماية القانونية لمحادثات الذكاء الاصطناعي قد تختلف وفقاً للولاية والقواعد القانونية المطبقة في كل قضية.

حماية المحادثات لا تشمل كل ما يدخل إلى الذكاء الاصطناعي

رغم حماية سجلات المحادثات الاستراتيجية في قضية تكساس، وضعت المحكمة قيداً مهماً على استخدام الذكاء الاصطناعي.

فقد أمرت المحكمة المدعي بالكشف عن مواد اكتشاف ومنتجات عمل تم إدخالها إلى ChatGPT، بما في ذلك مواد كانت خاضعة لأمر حماية.

ويكشف هذا الجزء من الحكم عن جانب مهم في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل العمل القانوني، إذ قد تتمتع الاستراتيجية التي ينتجها المستخدم بالحماية، بينما يظل إدخال مستندات سرية تخص الخصم إلى منصة خارجية أمراً يمكن أن تترتب عليه عواقب قانونية.

الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اكتشاف الأدلة

تكشف الأحكام الجديدة عن بداية تشكل إطار قانوني للتعامل مع محادثات الذكاء الاصطناعي في الدعاوى القضائية.

وتشير القرارات إلى أن المحاكم قد تنظر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره امتداداً لعملية إعداد القضية، عندما يكون الاستخدام سرياً ومرتبطاً بصورة مباشرة بالاستراتيجية القانونية.

لكن في الوقت نفسه، يتعين على المحامين والمتقاضين توخي الحذر بشأن المستندات والمعلومات التي يدخلونها إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما تكون هذه المواد سرية أو خاضعة لأوامر حماية.

ومع استمرار انتشار الذكاء الاصطناعي في مكاتب المحاماة والمحاكم، من المتوقع أن تتزايد القضايا المتعلقة بحدود اكتشاف محادثات AI، وحماية أسرار العمل القانوني، والمسؤولية عن المعلومات التي تنتجها هذه الأدوات.

 

 

 

 

 

 

شارك هذا الخبر
إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2053

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *