ترامب يقترح تغيير اسم الذكاء الاصطناعي إلى “الذكاء الفائق”.. تعرف على الفارق

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا جديدًا حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، بعدما اقترح استخدام اسم «الذكاء الفائق» بدلًا من «الذكاء الاصطناعي» في الوثائق الأمريكية، معتبرًا أن وصف التكنولوجيا بأنها «اصطناعية» قد يوحي بأنها غير حقيقية، رغم أن المصطلح الجديد يحمل في الأوساط العلمية والتقنية معنى مختلفًا وأكثر تحديدًا.

ترمب: الذكاء الاصطناعي ليس زائفًا

خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الثلاثاء، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستشير إلى الذكاء الاصطناعي باسم «الذكاء الفائق» في الوثائق الأمريكية.

ووفقًا لما نقلته «يو إس إيه توداي»، برر الرئيس الأمريكي اقتراحه بأن كلمة «اصطناعي» قد تجعل الذكاء يبدو «زائفًا»، مؤكدًا أن هذه التكنولوجيا ليست زائفة، وإنما «مذهلة»، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى ضرورة التعامل معها بحذر.

ولم يكن اقتراح «الذكاء الفائق» هو الاسم الوحيد الذي طرحه ترمب، إذ سبق أن تحدث عن خيارات أخرى، من بينها «الذكاء السامي» و«الذكاء الخارق» و«الذكاء العالي»، قبل أن يستقر على مصطلح «الذكاء الفائق».

الذكاء الفائق ليس مجرد اسم جديد

رغم أن ترامب يستخدم «الذكاء الفائق» باعتباره اسمًا بديلًا للذكاء الاصطناعي، فإن المصطلح يحمل في المجال التقني معنى مختلفًا.

ويشير «الذكاء الفائق» أو Superintelligence إلى مفهوم نظري لنظام ذكاء اصطناعي يتجاوز البشر في نطاق واسع من القدرات المعرفية، مثل الاستدلال وحل المشكلات واكتساب المعرفة والقدرة على تنفيذ مهام معقدة.

وبالتالي، فالذكاء الاصطناعي هو التكنولوجيا الموجودة بالفعل والمستخدمة في تطبيقات متعددة، بينما يشير الذكاء الفائق إلى مرحلة مستقبلية افتراضية قد تصبح فيها الأنظمة أكثر قدرة من البشر في مجموعة واسعة من المجالات.

لماذا يختلف المصطلحان تقنيًا؟

الفرق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق لا يتعلق باللغة فقط، وإنما يعكس مستويين مختلفين من تطور التكنولوجيا.

فالأنظمة الحالية، مهما بلغت قدراتها، ما زالت تُصنف ضمن الذكاء الاصطناعي، بينما يفترض مفهوم الذكاء الفائق الوصول إلى مستوى تتجاوز فيه الآلات القدرات البشرية على نطاق واسع.

ومن هذا المنظور، فإن استخدام «الذكاء الفائق» لوصف جميع تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية قد يؤدي إلى الخلط بين التكنولوجيا الموجودة بالفعل وبين مرحلة مستقبلية لا تزال موضع نقاش وتوقعات.

ألتمان يتحدث عن اقتراب الذكاء الفائق

طرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، مفهوم الذكاء الفائق في أكثر من مناسبة.

وفي تدوينة نشرها عام 2024، قال ألتمان إنه من الممكن الوصول إلى الذكاء الخارق خلال بضعة آلاف من الأيام، مؤكدًا ثقته في إمكانية تحقيق ذلك، حتى لو استغرق الأمر وقتًا أطول.

وبعد ذلك بعام، قال ألتمان لموقع «بوليتيكو» إنه يتوقع الوصول إلى الذكاء الخارق بحلول نهاية العقد، مشيرًا إلى إمكانية أن تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي خلال سنوات قليلة من تحقيق اكتشافات علمية لا يستطيع البشر الوصول إليها بمفردهم.

ويرى ألتمان أن هذه القدرات قد تمثل بداية المرحلة التي يمكن وصفها فعلًا بأنها «ذكاء فائق».

من الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة جديدة

تكمن المفارقة في اقتراح ترمب في أن المصطلح الذي اختاره لوصف التكنولوجيا الحالية يستخدم داخل قطاع التكنولوجيا للإشارة إلى مستقبل محتمل للذكاء الاصطناعي.

فالرئيس الأمريكي يتعامل مع «الذكاء الفائق» بوصفه تسمية أكثر إيجابية وقوة للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدم الباحثون المصطلح للإشارة إلى مستوى لم يتحقق بعد، تصبح فيه الأنظمة أكثر قدرة من البشر في نطاق واسع من المهام.

ويزداد هذا الفارق أهمية مع انتقال شركات التكنولوجيا إلى تطوير ما يعرف باسم «الذكاء الاصطناعي المتقدم» أو Frontier AI، وهي الأنظمة الموجودة عند الحدود الحالية للتطور التقني.

الذكاء الاصطناعي يدخل حسابات الأمن القومي

مع تطور قدرات النماذج، لم يعد النقاش يقتصر على التطبيقات التجارية أو الاستخدامات اليومية، بل امتد إلى قضايا الأمن القومي والبنية التحتية الحيوية.

وتشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن بعض المسؤولين بدأوا ينظرون إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة باعتبارها أكثر من مجرد منتجات تكنولوجية، مع بحث المخاطر الأمنية المحتملة المرتبطة بزيادة قدراتها.

ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة النقاش حول الذكاء الاصطناعي، من التركيز على فوائده الاقتصادية والعلمية إلى دراسة كيفية التعامل مع أنظمة قد تصبح أكثر استقلالية وقدرة.

من يتحكم في الذكاء الفائق؟

يطرح مفهوم الذكاء الفائق سؤالًا آخر يتعلق بالسيطرة على الأنظمة المتقدمة وإمكانية إيقافها عند الضرورة.

وقد أثار عالم الحاسوب جيفري هينتون مخاوف بشأن الاعتماد على «مفتاح إيقاف» باعتباره حلًا كافيًا للسيطرة على أنظمة فائقة القدرة، مشيرًا إلى احتمال أن تتمكن أنظمة تتجاوز البشر في الذكاء من التأثير في الأشخاص المسؤولين عن إيقافها.

كما يناقش باحثون في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي مجموعة أوسع من إجراءات الحماية، تشمل الحد من قدرة الأنظمة على النسخ أو الانتشار والوصول إلى أنظمة أخرى، إلى جانب مراقبة ارتباطها بالبنية التحتية الرقمية.

تغيير الاسم أم تغيير التوقعات؟

يمكن قراءة اقتراح ترمب من زاويتين مختلفتين.

الأولى لغوية وسياسية، إذ يرى الرئيس الأمريكي أن كلمة «اصطناعي» لا تعكس حقيقة ما تفعله التكنولوجيا، ولذلك يفضل استخدام تعبير أكثر إيجابية مثل «الذكاء الفائق».

أما الزاوية الثانية فهي تقنية، إذ إن «Superintelligence» مصطلح له تعريف قائم في الأبحاث المتعلقة بمستقبل الذكاء الاصطناعي، ويشير إلى ذكاء يتجاوز القدرات البشرية على نطاق واسع.

وبالتالي، فإن تغيير الاسم لا يغير التكنولوجيا نفسها، لكنه قد يغير الإطار الذي تقدم من خلاله إلى الجمهور.

معركة المستقبل تبدأ من المصطلحات

الجدل حول الاسم يكشف في النهاية نقاشًا أوسع بشأن المرحلة التي يتجه إليها الذكاء الاصطناعي.

فعبارة «الذكاء الاصطناعي» تصف تكنولوجيا موجودة بالفعل، متفاوتة القدرات، وتدخل اليوم في مجالات متعددة، بينما تستحضر عبارة «الذكاء الفائق» تصورًا لمرحلة مستقبلية قد تتجاوز فيها الأنظمة قدرات الإنسان في مجموعة واسعة من المهام.

ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت الوثائق الأمريكية ستستخدم اسم «الذكاء الفائق» بدلًا من «الذكاء الاصطناعي»، وإنما بما إذا كانت التطورات المتسارعة في قدرات النماذج ستقود فعلًا إلى المرحلة التي يشير إليها هذا المصطلح في الأدبيات التقنية.

وفي ظل سباق شركات التكنولوجيا نحو تطوير نماذج أكثر قدرة، قد يكون الخلاف على الاسم أقل أهمية من السؤال الذي يقف خلفه: هل يتطور الذكاء الاصطناعي ضمن حدود معروفة، أم أنه يقترب تدريجيًا من مرحلة مختلفة تمامًا من الذكاء؟

 

 

إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2190

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *