جوجل تستخدم بنية البحث لدعم الذكاء الاصطناعي وسط ضغوط تنظيمية

رسخت شركة جوجل هيمنتها على سوق البحث عبر الإنترنت لعقود، من خلال نموذج اعتمد على فهرسة صفحات المواقع وتوجيه المستخدمين إليها عبر نتائج البحث.

لكن هذا النموذج يواجه تغيرات كبيرة مع توسع الشركة في توظيف البنية التحتية لمحرك البحث في تطوير منتجات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن تأثير هذه الممارسات على الناشرين وشركات التكنولوجيا المنافسة.

وتتمثل المشكلة في تداخل عمليات جمع المحتوى المستخدمة في البحث التقليدي مع تلك التي تدعم ميزات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

تفوق جوجل في جمع محتوى الإنترنت

يواصل برنامج الزحف التابع لجوجل، المعروف باسم «Googlebot»، الوصول إلى كميات هائلة من المحتوى المنشور على شبكة الإنترنت، بهدف فهرسته وإتاحته ضمن نتائج البحث.

وبحسب ماثيو برنس، الرئيس التنفيذي لشركة «كلاود فلير»، يصل برنامج الزحف التابع لجوجل إلى محتوى على الإنترنت يفوق ما يصل إليه نظيره لدى «أوبن إيه آي» بنحو 3.2 مرة، بينما يتجاوز نظيره لدى «مايكروسوفت» بنحو 4.8 مرة.

وتمنح هذه القدرة جوجل ميزة مهمة في الوصول إلى المعلومات التي تحتاج إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي لإنتاج إجابات وملخصات مباشرة للمستخدمين.

الذكاء الاصطناعي يضغط على حركة المواقع

أصبح الاعتماد المتزايد على إجابات الذكاء الاصطناعي مصدر قلق للناشرين، إذ يحصل المستخدم على المعلومات التي يبحث عنها مباشرة من صفحة نتائج البحث، دون الحاجة بالضرورة إلى زيارة الموقع الأصلي.

وقد يؤدي هذا التغير إلى انخفاض حركة الزيارات التي تعتمد عليها المواقع الإخبارية والمحتوى الرقمي لتحقيق الإيرادات.

وكشفت مجموعة «ريتش» البريطانية، التي تضم عدداً من المؤسسات الصحفية، عن تراجع الزيارات القادمة إلى مواقعها عبر جوجل بنحو النصف، وربطت جزءاً من هذا الانخفاض بانتشار ميزة «ملخصات الذكاء الاصطناعي».

حركة الذكاء الاصطناعي تتجاوز المستخدمين

تزداد كذلك حركة برامج الذكاء الاصطناعي والروبوتات على شبكة الإنترنت بصورة متسارعة.

ووفقاً لبيانات «كلاود فلير»، استحوذت برامج الذكاء الاصطناعي الوكيلة على أكثر من 57% من حركة الإنترنت خلال عام 2026، مقابل نحو 42% للبشر.

ويمثل تجاوز حركة الآلات لحركة المستخدمين البشريين تحولاً مهماً في طبيعة الإنترنت، وسط توقعات باستمرار ارتفاع الاعتماد على الوكلاء الذكيين خلال السنوات المقبلة.

مخاوف من تراجع المحتوى البشري

يرى منتقدو نموذج البحث الجديد أن استمرار الذكاء الاصطناعي في جمع المحتوى وتلخيصه وإعادة صياغته قد يضعف الحافز الاقتصادي أمام الصحفيين والناشرين وصناع المحتوى لإنتاج مواد أصلية.

فالمستخدم قد يحصل على إجابة مولدة بالذكاء الاصطناعي دون زيارة المصدر الذي أنتج المعلومات، وهو ما يعني تراجع فرص تحقيق العائدات من الإعلانات والزيارات.

وتبرز هنا مخاوف من أن يؤدي هذا النموذج إلى دورة غير متوازنة، ينتج فيها البشر المحتوى، بينما تجمعه أنظمة الذكاء الاصطناعي وتعيد تقديمه للمستخدمين دون عائد مباشر بالضرورة على أصحاب المحتوى الأصلي.

ضغوط على جوجل لمنح الناشرين خيارات جديدة

تواجه جوجل ضغوطاً متزايدة لتوفير آلية واضحة تسمح لأصحاب المواقع بمنع استخدام محتواهم في ميزات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع الاحتفاظ بظهور صفحاتهم في نتائج البحث التقليدية.

وتأتي هذه المطالب في وقت تواجه فيه الشركة تدقيقاً تنظيمياً متزايداً بشأن طريقة إدارتها لخدمات البحث واستغلال موقعها المهيمن في السوق.

وفي يونيو، طالبت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية جوجل بمنح أصحاب المواقع خياراً يمنع استخدام محتواهم في ميزات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، دون التأثير سلباً على ترتيبهم في نتائج البحث التقليدية.

كما منعت الهيئة الشركة من معاقبة المواقع التي تختار استبعاد محتواها من هذه الميزات عبر خفض ترتيبها في محرك البحث.

كلاود فلير تصعد المواجهة

في المقابل، صعدت شركة «كلاود فلير» انتقاداتها لجوجل، وسط دعوات إلى الفصل بشكل أوضح بين عمليات الزحف المستخدمة للفهرسة التقليدية وتلك المخصصة لخدمات الذكاء الاصطناعي.

وقال ماثيو برنس إن شركته تستعد اعتباراً من 15 سبتمبر لحجب برامج الزحف التي تجمع بين أكثر من غرض لدى عملائها الذين تعتمد مواقعهم على الإعلانات.

وقد يفرض هذا الإجراء ضغطاً إضافياً على جوجل، نظراً إلى اعتماد عدد كبير من المواقع على خدمات «كلاود فلير» لإدارة حركة الإنترنت والحماية من الهجمات الإلكترونية.

جوجل تختبر حلاً لمحتوى الذكاء الاصطناعي

وتبدو جوجل مستعدة لتعديل بعض ممارساتها استجابة للضغوط التنظيمية والصناعية.

وأكد متحدث باسم الشركة أنها تختبر إعداداً جديداً يسمح لأصحاب المواقع باستبعاد محتواهم من إجابات الذكاء الاصطناعي، مع استمرار ظهور صفحاتهم في نتائج البحث التقليدية.

ومن المنتظر أن يُطرح هذا الخيار عالمياً بعد انتهاء الاختبارات التي تجريها الشركة في المملكة المتحدة.

فصل البحث التقليدي عن الذكاء الاصطناعي

يرى منتقدو سياسة جوجل أن الحل الأكثر وضوحاً يتمثل في فصل عمليات الزحف الخاصة بالبحث التقليدي عن تلك المستخدمة في ميزات الذكاء الاصطناعي.

ومن شأن هذا الفصل منح أصحاب المواقع قدرة أكبر على تحديد الطريقة التي يمكن بها استخدام محتواهم، بدلاً من الاعتماد على نظام واحد يجمع المعلومات لخدمات متعددة.

ويحافظ هذا الحل في الوقت نفسه على إمكانية وصول المستخدمين إلى المحتوى عبر محرك البحث، مع منح الناشرين سيطرة أكبر على استخدام موادهم في الإجابات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

مستقبل البحث في عصر الذكاء الاصطناعي

لا تزال جوجل تسيطر على الحصة الأكبر من سوق البحث العالمي، ما يجعل أي تغيير في سياساتها مؤثراً بشكل مباشر على ملايين المواقع والناشرين.

لكن توسع الذكاء الاصطناعي في تقديم إجابات مباشرة للمستخدمين يفرض تحديات جديدة على النموذج التقليدي لمحركات البحث.

ومع تصاعد الضغوط التنظيمية وانتقادات شركات التكنولوجيا والناشرين، قد تجد جوجل نفسها أمام ضرورة إعادة تصميم العلاقة بين محرك البحث والذكاء الاصطناعي، بما يضمن استمرار استفادة المستخدمين من المحتوى مع الحفاظ على حقوق وحوافز منتجيه.

 

شارك هذا الخبر
إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2061

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *