دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يضيّق لغة البشر ويهدد أساليب الكتابة

كشفت دراسة حديثة عن تأثير متزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي على أساليب الكتابة البشرية، محذرة من أن الاعتماد المتزايد على نماذج اللغة الكبيرة قد يؤدي إلى تقليص التنوع اللغوي ودفع الكتابات نحو أنماط أكثر تشابهًا.

وتأتي هذه النتائج في ظل الانتشار الواسع لأدوات مثل ChatGPT، بعدما أصبحت جزءًا من عمليات الكتابة والبحث والبرمجة وإنتاج المحتوى، وهو ما يثير تساؤلات حول تأثيرها طويل المدى على الطريقة التي يعبر بها البشر عن أفكارهم.

الذكاء الاصطناعي يقلل تنوع أساليب الكتابة

أظهرت الدراسة المنشورة في مجلة Nature Human Behavior أن نماذج اللغة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تدفع النصوص البشرية تدريجيًا نحو مجموعة أضيق من المعايير والأساليب اللغوية.

ويرى الباحثون أن هذا التأثير لا يقتصر على تبسيط اللغة، بل قد يمتد إلى تقليل الاختلافات التي تميز أسلوب كل شخص، بما في ذلك بعض الإشارات اللغوية المرتبطة بشخصيته وخلفيته وقيمه.

تحليل آلاف الأوراق والمقالات والمنشورات

لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على الكتابة، أجرى الباحث الرئيسي زيفار سوراتي تحليلًا زمنيًا لنحو 80 ألف ورقة بحثية و400 ألف مقال إخباري و300 ألف منشور على منصة Reddit.

وقارن الباحثون النصوص التي كُتبت قبل وبعد إطلاق ChatGPT، بهدف معرفة ما إذا كان انتشار أدوات الكتابة بالذكاء الاصطناعي قد أدى إلى تقارب أساليب الكتابة.

وأظهرت النتائج أن الاختلافات في درجة تعقيد النصوص بدأت تتجه بشكل متزايد نحو معايير مشتركة بعد انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، وظهر الاتجاه نفسه عبر مجموعات البيانات المختلفة التي شملتها الدراسة.

نماذج GPT وGemini وLlama تعيد صياغة النصوص

انتقل الباحثون بعد ذلك إلى تجربة عملية باستخدام نماذج ذكاء اصطناعي مختلفة، من بينها GPT-3.5 وGemini وLlama 3، لإعادة صياغة مجموعة من النصوص البشرية باستخدام مطالبات متنوعة.

ورغم أن النماذج حافظت إلى حد كبير على المعاني الأساسية للنصوص، فإنها قللت من الاختلافات في مستوى تعقيد الكتابة بنسب تراوحت بين 21% و50%.

وتشير هذه النتيجة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يحافظ على مضمون الفكرة، لكنه في الوقت نفسه يجعل الطريقة التي تُكتب بها الأفكار أكثر تشابهًا.

الذكاء الاصطناعي قد يخفي ملامح الهوية الشخصية

لم يتوقف الباحثون عند قياس التنوع في الأسلوب، بل حاولوا معرفة مدى تأثير نماذج اللغة على الإشارات التي تكشف بعض سمات الكاتب الشخصية.

واستخدم الفريق نصوصًا كتبها أشخاص سبق تحديد بعض سماتهم من خلال استبيانات نفسية، ثم أعادوا معالجة هذه النصوص باستخدام نماذج لغوية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

بعد ذلك، استعان الباحثون بنماذج إحصائية لمحاولة التنبؤ بخصائص مختلفة للكتّاب، بينها السمات الديموغرافية والشخصية ومستويات التعاطف والقيم الأخلاقية، اعتمادًا على المؤشرات اللغوية الموجودة في النصوص.

تراجع القدرة على تحديد سمات الكاتب

أظهرت النتائج أنه بعد إعادة صياغة النصوص باستخدام الذكاء الاصطناعي، تراجعت دقة التنبؤ بسمات أصحابها بنسبة 6% في المتوسط.

ولم يكن التأثير متساويًا على جميع الخصائص، إذ غيّرت نماذج اللغة بعض المؤشرات اللغوية بدرجات مختلفة، وفقًا للسمة الشخصية التي يحاول الباحثون تحديدها.

ويعني ذلك أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة النصوص قد يؤدي إلى طمس بعض العلامات التي تجعل الكتابة مرتبطة بهوية صاحبها.

هل يهدد الذكاء الاصطناعي التنوع المعرفي؟

يحذر الباحثون من أن تراجع التنوع اللغوي قد تكون له تداعيات أوسع من مجرد تشابه أساليب الكتابة، إذ يمكن أن يرتبط بالتنوع المعرفي وطريقة البشر في التفكير وحل المشكلات.

ويرى سوراتي أن الاعتماد الجماعي على النماذج اللغوية نفسها قد يؤدي إلى تشابه طرق التعبير عن الأفكار، وربما تشابه الطرق التي ينظر بها الأشخاص إلى المشكلات ويقدمون حلولًا لها.

وتزداد أهمية هذا الأمر مع استخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في التعليم والعمل وصناعة المحتوى، حيث يمكن أن تصبح النماذج اللغوية وسيطًا مشتركًا بين ملايين المستخدمين.

الباحث يحذر من تأثير الذكاء الاصطناعي على الطلاب

يرى سوراتي أن الطلاب والفئات التي لا تزال في مرحلة تطوير قدراتها المعرفية قد تكون الأكثر عرضة للتأثيرات الموحدة لنماذج اللغة الكبيرة.

ولهذا، يشدد الباحث على أهمية تعلم التفكير النقدي والمنطقي قبل الاعتماد المكثف على أدوات الذكاء الاصطناعي.

وبحسب رؤيته، فإن امتلاك مهارات التفكير والتحليل أولًا يسمح للمستخدم بالاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي دون أن يتحول إلى بديل عن التفكير البشري.

التنوع اللغوي ضرورة في عصر الذكاء الاصطناعي

تدفع نتائج الدراسة إلى إعادة التفكير في الطريقة التي تستخدم بها نماذج الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في المجالات التي تعتمد على الإبداع والتعبير الشخصي.

فبدلًا من استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغة كل نص أو فكرة، قد يكون من الأفضل الحفاظ على الأسلوب الشخصي للكاتب واستخدام هذه الأدوات كمساعد لتحسين العمل دون محو بصمته الخاصة.

وتشير الدراسة في النهاية إلى أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص جيدة، وإنما بكيفية الحفاظ على التنوع البشري في الكتابة والتفكير مع استمرار انتشار هذه التكنولوجيا.

 

شارك هذا الخبر
إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2128

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *