كشفت دراسة حديثة تتبعت نحو 27 ألف طالب في الصين عن نتائج مقلقة بشأن تأثير الاستخدام المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي على التحصيل الدراسي والتعلم.
وشملت الدراسة طلابًا تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عامًا، من الصف السابع حتى الثاني عشر، حيث أشار نحو 80% منهم إلى استخدام نماذج للذكاء الاصطناعي، من بينها نموذج «دوباو» التابع لشركة بايت دانس و«ديب سيك»، بينما شكل الطلاب الذين لم يستخدموا هذه الأدوات المجموعة الضابطة.
الذكاء الاصطناعي يرفع درجات الواجبات بنسبة 18%
أظهرت النتائج أن الطلاب الذين استعانوا بالذكاء الاصطناعي حققوا تحسنًا واضحًا في درجات الواجبات المنزلية.
وبعد ستة أشهر من المتابعة، ارتفعت درجات واجباتهم بنحو 18% في مختلف المواد، بالتزامن مع انخفاض الوقت اللازم لإنجاز الواجب الواحد من 64 دقيقة إلى 45 دقيقة، أي بنسبة تقارب 30%.
ورغم هذا التحسن في نتائج الواجبات، كشفت الدراسة عن مفارقة لافتة عند الانتقال إلى الاختبارات الشهرية.
انخفاض نتائج الاختبارات رغم ارتفاع درجات الواجبات
حصل الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي على درجات امتحانات شهرية أقل بنحو 20% مقارنة بالطلاب الذين لم يستخدموا هذه الأدوات.
وتشير النتائج إلى أن ارتفاع درجات الواجبات لم يكن مؤشرًا على تحسن حقيقي في مستوى التعلم، بل ارتبط في بعض الحالات بتراجع الأداء عندما اضطر الطلاب إلى الاعتماد على معارفهم وقدراتهم الشخصية خلال الاختبارات.
وتثير هذه النتيجة تساؤلات حول مدى قدرة الدرجات المرتفعة في الواجبات المنزلية على عكس المستوى الأكاديمي الحقيقي للطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي.
تجربة جامعية تكشف الفجوة بين الواجبات والاختبارات
تتوافق هذه النتائج مع ملاحظات ظهرت في بعض المؤسسات التعليمية خلال الفترة الأخيرة.
ففي إحدى الجامعات الأميركية، لاحظ أستاذ جامعي ارتفاعًا لافتًا في درجات اختبار أُجري من المنزل، إذ تجاوز متوسط الدرجات 90% وحصل نحو نصف الطلاب على الدرجة الكاملة.
ودفع ذلك الأستاذ إلى الاشتباه في استخدام الطلاب لأدوات الذكاء الاصطناعي، ليقرر إجراء الاختبار النهائي بصورة حضورية.
وعند إجراء الاختبار داخل الجامعة، انخفض متوسط الدرجات إلى 48%، مقارنة بأكثر من 65% في الاختبارات السابقة، كما لم يشارك عدد كبير من الطلاب في الاختبار النهائي، وكان من بينهم طلاب حققوا درجات كاملة في الاختبار المنزلي.
الذكاء الاصطناعي والتراجع في النشاط الذهني
لا تقتصر المخاوف على النتائج الدراسية، إذ تناولت دراسات أخرى التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على العمليات المعرفية المرتبطة بالتعلم.
وأشارت دراسة أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن الطلاب الذين استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات أظهروا نشاطًا دماغيًا أقل مقارنة بمن أنجزوا المهمة دون هذه الأدوات.
كما واجه بعض مستخدمي الذكاء الاصطناعي صعوبة في تذكر أجزاء من النصوص التي كتبوها بمساعدة التقنية، واستمر انخفاض النشاط الذهني لديهم عندما طُلب منهم لاحقًا تنفيذ المهمة دون مساعدة الذكاء الاصطناعي.
خسائر التعلم الأكبر في العلوم الاجتماعية وSTEM
كشفت الدراسة التي أجرتها جامعتي ستوكهولم وهونغ كونغ عن تفاوت خسائر التعلم بين التخصصات.
وكانت الخسائر الأكبر في مواد العلوم الاجتماعية، تلتها مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، المعروفة اختصارًا باسم STEM، ثم مواد اللغات.
وتشير النتائج إلى أن الاعتماد المكثف على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اختصار الوقت والجهد المطلوبين لإنجاز المهام الدراسية، لكنه لا يضمن بالضرورة اكتساب المعرفة والمهارات التي يفترض أن تنتج عن عملية التعلم.
وقت الدراسة عامل مهم في تأثير الذكاء الاصطناعي
رصد الباحثون نقطة مهمة أخرى، إذ تبين أن الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي، لكنهم أمضوا وقتًا قريبًا من الوقت الذي استغرقه الطلاب غير المستخدمين لهذه الأدوات في إنجاز الواجبات، تعرضوا لخسائر تعلم أقل.
ومع ذلك، استمرت بعض الخسائر التعليمية، ما يشير إلى أن المشكلة قد لا ترتبط بمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما بطريقة استخدامه ومدى اعتماده بديلًا عن التفكير والبحث وحل المشكلات.
الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف بشأن تضخم الدرجات
تضيف هذه النتائج إلى الجدل المتزايد حول ظاهرة تضخم الدرجات مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وأظهرت أبحاث حديثة ارتفاع نسبة الدرجات «A» في بعض المقررات الجامعية الأكثر عرضة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الغش، خصوصًا في تخصصات العلوم الإنسانية والهندسة، بنحو 30% منذ إطلاق ChatGPT.
وتشير هذه التطورات إلى أن المؤسسات التعليمية تواجه تحديًا جديدًا يتمثل في إعادة تقييم طرق قياس التحصيل الدراسي، بحيث تعكس الاختبارات والواجبات مستوى فهم الطالب وقدرته على التفكير المستقل، وليس فقط قدرته على الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي.




