وتبرز شركة أمازون باعتبارها إحدى الشركات التي اتخذت موقفاً واضحاً من هذه الظاهرة، بعدما منعت بعض أدوات التسوق المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها مساعد ميوز التابع لشركة ميتا، من استخدام منصتها، في خطوة تعكس تصاعد الخلاف حول حدود صلاحيات الوكلاء الأذكياء على الإنترنت.
ولا تقتصر المشكلة على قرارات الحظر المباشر، إذ قد تتعطل مهام الوكلاء بسبب أنظمة الحماية الإلكترونية واختبارات التحقق من هوية المستخدم، التي لا تستطيع دائماً التمييز بين المساعد الذكي الذي يعمل بتفويض حقيقي من صاحبه والروبوتات التي تستخدمها جهات أخرى لجمع البيانات أو تنفيذ أنشطة غير مرغوب فيها.
أمازون تمنع وكلاء الذكاء الاصطناعي من التسوق عبر منصتها
تتمثل إحدى أبرز مزايا وكلاء الذكاء الاصطناعي الشخصيين في قدرتهم على تنفيذ المهام بصورة مستقلة، بدلاً من الاكتفاء بتقديم المعلومات والتوصيات. ويمكن لهذه الأدوات البحث عن المنتجات ومقارنة الأسعار واختيار السلع المناسبة وإضافتها إلى عربة التسوق، وصولاً إلى تنفيذ الطلبات بعد موافقة المستخدم.
لكن هذه التجربة لم تنجح دائماً، فقد واجه مساعد ميوز التابع لشركة ميتا اختبارات للتحقق من هوية المستخدم أثناء محاولة التسوق عبر موقع وولمارت، رغم أن الشركة الأميركية أكدت أن إجراءات الحماية لم تكن تستهدف منع المساعد الذكي.
وعلى الجانب الآخر، اتخذت أمازون موقفاً أكثر صرامة، بعدما تعمدت حظر أداة ميوز من التسوق عبر منصتها، وهو ما يوضح أن امتلاك المستخدم أداة ذكية قادرة على تنفيذ المشتريات لا يمنحها تلقائياً حق الوصول إلى جميع المواقع.
المخاوف الأمنية تتصدر أسباب حظر وكلاء الذكاء الاصطناعي
تأتي المخاطر الأمنية في مقدمة الأسباب التي تدفع المؤسسات إلى تقييد وصول وكلاء الذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالخدمات المصرفية والمعاملات المالية الحساسة.
وخلال إعلان نتائج أعمال بنك جيه بي مورغان تشيس في أكتوبر الماضي، حذر المدير المالي للبنك جيريمي بارنوم من المخاطر المرتبطة ببعض الوكلاء الذين يعتمدون على مشاركة بيانات تسجيل الدخول واستخدام تقنيات استخراج المعلومات من شاشات المواقع لتنفيذ التحويلات المالية.
وأشار إلى أن هذه الممارسات تفتقر إلى مستويات الأمان المطلوبة، مؤكداً أن البنك يحظر استخدامها كلما أمكن ذلك، كما لفت إلى أن العملاء الذين يمنحون الوكلاء بيانات الدخول الخاصة بهم قد يتحملون مسؤولية العمليات غير المرغوب فيها التي ينفذونها.
وتختلف خطورة هذه المخاطر بحسب طبيعة المهمة، فاختيار منتجات غذائية غير مناسبة قد يسبب إزعاجاً للمستخدم، لكن تنفيذ تحويل مصرفي دون تصريح يمثل تهديداً مباشراً لأمواله وبياناته المالية.
أمازون تدخل في نزاع قانوني مع بيربليكسيتي
لا تتوقف اعتراضات أمازون عند مساعد ميتا، إذ تخوض الشركة نزاعاً مع شركة بيربليكسيتي بشأن متصفح الذكاء الاصطناعي كوميت، الذي يتيح للمستخدمين الاستعانة بوكلاء أذكياء لتنفيذ مهام مختلفة عبر الإنترنت.
وترى أمازون أن الأداة تتجاوز قواعد الوصول إلى منصتها، وقد تعرض بيانات العملاء للخطر، بينما تدافع بيربليكسيتي عن تقنيتها باعتبارها تعمل بتفويض من المستخدمين الذين يطلبون منها تنفيذ مهام محددة نيابة عنهم.
وفي أغسطس 2026، ألغت محكمة استئناف اتحادية أمراً قضائياً أولياً كان يفرض قيوداً على بيربليكسيتي، لكن الخلاف القانوني الأساسي بين الشركتين لا يزال قائماً.
وتبدو المفارقة واضحة في موقف أمازون، التي تقيد وصول بعض الوكلاء الخارجيين إلى منصتها، بينما تعمل في الوقت نفسه على تطوير ميزة خاصة بها تحمل اسم «Buy for Me»، وتسمح للمستخدمين بشراء منتجات من مواقع شركات وعلامات تجارية أخرى.
حماية المصالح التجارية سبب آخر لرفض الوكلاء الأذكياء
إلى جانب المخاوف الأمنية، تسعى الشركات إلى الاحتفاظ بالسيطرة على طريقة استخدام منصاتها، وحماية مصالحها التجارية وعلاقاتها المباشرة بالعملاء.
وتحظر اتفاقية المستخدم الخاصة بمنصة إيباي استخدام وكلاء الشراء نيابة عن المستخدمين دون الحصول على موافقة مسبقة من الشركة، وهو ما يعكس رغبة المنصات في تحديد الجهات المسموح لها بالتعامل مع خدماتها.
كما أكدت شركة الطيران الأميركية دلتا أنها لا توفر تكاملاً تقنياً يسمح لوكلاء الذكاء الاصطناعي التابعين لأطراف خارجية بحجز الرحلات عبر موقعها الإلكتروني، دون أن توضح ما إذا كانت تتعمد حظر أدوات بعينها.
وتخشى بعض الشركات أن يؤدي انتشار وكلاء التسوق إلى تغيير طبيعة العلاقة مع العملاء، وتقليل فرص ظهور منتجاتها ضمن اختيارات المستخدمين، فضلاً عن فقدان السيطرة على تجربة الشراء والبيانات المرتبطة بها.
اختبارات التحقق من المستخدم تعرقل عمل المساعدات الذكية
لا يعني توقف وكيل الذكاء الاصطناعي عن تصفح أحد المواقع أن الشركة اتخذت قراراً مباشراً بحظره، فقد تكون أنظمة مكافحة الروبوتات هي السبب وراء تعطل المهمة.
وتستخدم المواقع اختبارات CAPTCHA وغيرها من وسائل التحقق للتأكد من أن الزائر إنسان وليس برنامجاً آلياً، إلا أن هذه الأنظمة قد تصنف بعض الوكلاء المصرح لهم باعتبارهم حركة مرور آلية غير مرغوب فيها.
وظهرت هذه المشكلة في تجربة وولمارت مع مساعد ميوز، كما أقرت منصة Zillow بأن أنظمة الحماية المستخدمة لمواجهة عمليات استخراج البيانات قد تتعامل أحياناً مع بعض وكلاء الذكاء الاصطناعي المسموح لهم بالوصول إلى خدماتها باعتبارهم روبوتات.
وتوضح هذه الحالات أن أنظمة الحماية لا تستطيع دائماً تحديد طبيعة الجهة التي تتصفح الموقع، وما إذا كانت تنفذ طلباً مشروعاً من مستخدم حقيقي أم تحاول جمع البيانات بصورة غير مصرح بها.
وقد يواجه مستخدمو الشبكات الافتراضية الخاصة المشكلة نفسها، إذ يمكن أن يؤدي استخدام عناوين إنترنت مشتركة عبر خدمات VPN إلى ظهور اختبارات التحقق من الهوية، عندما تتشابه حركة المرور مع نشاط البرامج الآلية.
كلاود فلير تطور أدوات لتنظيم وصول وكلاء الذكاء الاصطناعي
مع تزايد انتشار الوكلاء الأذكياء، بدأت شركات البنية التحتية للإنترنت تطوير وسائل أكثر دقة لإدارة حركة المرور القادمة من أدوات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، أتاحت شركة كلاود فلير لأصحاب المواقع إمكانية التمييز بين أنواع مختلفة من برامج الزحف، سواء تلك المستخدمة في محركات البحث، أو الروبوتات التي تجمع البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، أو الوكلاء الذين يتصفحون الإنترنت لتنفيذ مهام نيابة عن المستخدمين.
ومنذ 15 سبتمبر الماضي، أصبحت النطاقات الجديدة التي تستخدم خدمات كلاود فلير تسمح افتراضياً لبرامج زحف محركات البحث بالوصول، مع حظر روبوتات تدريب الذكاء الاصطناعي والوكلاء من الصفحات التي تعرض إعلانات.
ومع ذلك، تظل هذه الإعدادات قابلة للتعديل من جانب أصحاب المواقع، بما يسمح لهم بوضع سياسات مختلفة لكل نوع من أنواع حركة المرور الآلية، والفصل بين أدوات جمع البيانات والمساعدات الذكية التي تنفذ طلبات المستخدمين.
شوبيفاي تقدم نموذجاً مختلفاً للتعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي
في مقابل سياسة الحظر التي تتبعها بعض المنصات، تتجه شركات أخرى إلى تطوير آليات تسمح للوكلاء الأذكياء بتنفيذ المهام ضمن ضوابط واضحة.
وتقدم أدوات إتمام الشراء التابعة لمنصة شوبيفاي نموذجاً لهذا التوجه، إذ تتيح لوكلاء المتصفحات المتوافقين تحديث بيانات الطلب وإرساله بعد الحصول على تأكيد المشتري، مع إعادة التحكم إلى المستخدم عندما تتطلب العملية خطوات إضافية للمصادقة أو التحقق.
ويعكس هذا النموذج اتجاهاً نحو تحقيق التوازن بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي والحفاظ على أمن المعاملات وحقوق المستخدمين والشركات.
مستقبل وكلاء الذكاء الاصطناعي مرهون بموافقة المواقع
تكشف القيود التي تواجه وكلاء الذكاء الاصطناعي أن التحدي المقبل لا يرتبط فقط بتطوير نماذج أكثر قدرة على فهم الأوامر وتنفيذ المهام، بل يمتد إلى الحصول على صلاحيات الوصول إلى المواقع والخدمات المختلفة.
فحتى إذا أصبح الوكيل قادراً على التسوق وحجز الرحلات وإجراء المعاملات بصورة مستقلة، ستظل قدرته على إتمام هذه المهام مرتبطة بسياسات الشركات وأنظمة الحماية التي تستخدمها.
ومن المتوقع أن يتجه مستقبل التسوق الرقمي إلى نماذج أكثر تنظيماً تسمح للمساعدات الذكية بالتعامل مع المواقع من خلال أدوات تكامل رسمية، مع تحديد واضح لصلاحياتها والحصول على موافقة المستخدم قبل تنفيذ العمليات الحساسة.
وبين مخاوف الأمن السيبراني ورغبة الشركات في حماية مصالحها التجارية، سيظل التحدي الأكبر هو الوصول إلى صيغة تضمن استفادة المستخدم من وكلاء الذكاء الاصطناعي دون تعريض بياناته وأمواله للخطر.




