ماسك يختبر طفرة ديون الذكاء الاصطناعي بخطة اقتراض 40 مليار دولار

تختبر خطة شركة «سبيس إكس» التابعة لإيلون ماسك لجمع 40 مليار دولار مدى قدرة أسواق المال على استيعاب موجة جديدة من الاقتراض المرتبط بالذكاء الاصطناعي، في وقت ترتفع فيه تكاليف التمويل وتتزايد فيه حيطة المستثمرين تجاه إصدارات السندات الضخمة.

وتسعى الشركة إلى توفير التمويل اللازم لشراء رقائق الذكاء الاصطناعي من «إنفيديا»، بعد أشهر قليلة من جمع 25 مليار دولار من سوق سندات الشركات الأميركية، في خطوة تعكس احتدام المنافسة على البنية التحتية اللازمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسيع قدرات الحوسبة.

صفقات إيلون ماسك تعيد تشكيل أسواق المال

فرض إيلون ماسك تأثيرًا ملحوظًا على وول ستريت من خلال صفقات التمويل الضخمة، التي حققت إيرادات كبيرة لبنوك الاستثمار، لكنها ساهمت أيضًا في تغيير حركة السيولة وآليات التمويل داخل الأسواق العالمية.

وكان طرح «سبيس إكس» للاكتتاب العام بقيمة 75 مليار دولار في يونيو الماضي أحد أبرز هذه الصفقات، إذ استحوذ على جانب كبير من السيولة المتاحة، وربما ساهم في تأجيل الطرحين العامين الأوليين المرتقبين لشركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، وسط مؤشرات على تراجع الفرص المتاحة لتنفيذ طروحات عامة بهذا الحجم.

كما ترك استحواذ ماسك على منصة «تويتر» عام 2022 آثارًا ممتدة على أسواق الائتمان، بعدما ظلت البنوك لسنوات تتحمل ديونًا بقيمة 13 مليار دولار استخدمت في تمويل الصفقة، وهو ما ضغط على ميزانياتها وأضعف شهية السوق لعمليات التمويل بالديون.

وزادت صعوبة تلك الصفقة بسبب توقيتها، إذ ارتفعت تكاليف الاقتراض بعد وقت قصير من استكمال ترتيبات التمويل، بالتزامن مع رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة بمقدار 525 نقطة أساس خلال 16 شهرًا.

«سبيس إكس» تتجه إلى اقتراض 40 مليار دولار

تثير خطة «سبيس إكس» الجديدة تساؤلات بشأن قدرة سوق السندات على استيعاب مزيد من الإصدارات الضخمة، خاصة أن الشركة تتحرك لجمع 40 مليار دولار لشراء رقائق «إنفيديا»، بعد إصدار سندات بقيمة 25 مليار دولار قبل أشهر قليلة.

ومع ذلك، لا تشير التطورات الحالية بالضرورة إلى قرب انعكاس دورة الائتمان المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، إذ لا تزال سوق السندات قادرة على استقبال إصدارات إضافية، رغم ارتفاع العوائد وزيادة الحذر بين المستثمرين.

وتأتي خطة التمويل بعد شهر سبتمبر الذي شهد هدوءًا غير معتاد، إذ لم تصدر شركات الحوسبة السحابية العملاقة ديونًا مقومة بالدولار ذات تصنيف ائتماني مرتفع.

وتشير بيانات «بلومبرغ» إلى أن قطاع التكنولوجيا لا يزال يمتلك مجالًا لزيادة حضوره في سوق سندات الشركات الأميركية، التي تبلغ قيمتها 2.3 تريليون دولار، إذ تستحوذ البنوك على نحو 18% منها، مقابل 10.5% فقط لقطاع التكنولوجيا.

شركات التكنولوجيا تقلص آجال استحقاق السندات

تواصل شركات الذكاء الاصطناعي تأمين التمويل اللازم للتوسع، رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد حذر المستثمرين، ما دفع الشركات الكبرى إلى تعديل استراتيجيات إصدار السندات وتقليص آجال استحقاقها.

وفي أغسطس الماضي، أصدرت شركة «ألفابت» ثماني شرائح من السندات بقيمة إجمالية بلغت 8 مليارات دولار، تستحق جميعها خلال خمس سنوات، في تحول عن توجهها قبل ستة أشهر، عندما ركزت إصداراتها على آجال الاستحقاق الأطول.

ووفقًا لمجموعة «غولدمان ساكس»، ارتفعت حصة السندات التي تصدرها شركات الحوسبة السحابية العملاقة بآجال استحقاق أقصر إلى 46% منذ منتصف العام الجاري، مقارنة بنحو 30% خلال النصف الأول من العام.

ولا تقتصر التعديلات على آجال الاستحقاق، إذ تتجه شركات التكنولوجيا أيضًا إلى أسواق عملات أخرى، مثل الين الياباني والجنيه الإسترليني والدولار الأسترالي، بهدف توسيع قاعدة المستثمرين وتقليل الاعتماد على سوق الدولار.

وفي هذا السياق، جمعت شركة «أمازون» 5.7 مليار دولار من أول إصدار لها لسندات مقومة بالجنيه الإسترليني الشهر الماضي، مقتفية نهج «ألفابت» في تنويع مصادر التمويل.

شركات الذكاء الاصطناعي تقدم عوائد أعلى لجذب المستثمرين

في الوقت الذي تعيد فيه الشركات الكبرى ترتيب إصداراتها، تلجأ شركات أصغر وأكثر مخاطرة إلى تقديم شروط تمويل أكثر جاذبية للمستثمرين، في محاولة لتأمين الأموال اللازمة لتوسيع أعمالها.

ومن أبرز الأمثلة شركة «فولتا إنفراستركتشر هولدينغز»، العاملة في مجال توفير خدمات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، التي تعرض قرضًا بقيمة 5 مليارات دولار بعائد يقارب 11%، وهو من بين أعلى معدلات العائد في السوق.

ويتضمن القرض شرطًا غير معتاد يقضي بسداد أصل الدين على أقساط طوال مدة التمويل، بدلًا من سداد المبلغ كاملًا عند حلول تاريخ الاستحقاق، كما هو شائع في كثير من ديون الشركات.

وتعكس هذه الشروط حجم المنافسة على جذب التمويل في سوق تتزايد فيها احتياجات شركات الذكاء الاصطناعي إلى الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الحاسوبية.

سباق الذكاء الاصطناعي يتحول إلى منافسة على رأس المال

لم يؤد ارتفاع عوائد السندات العالمية حتى الآن إلى كبح شهية شركات الذكاء الاصطناعي للاقتراض والتوسع، إذ يواصل المصرفيون العمل على تصميم صفقات تتناسب مع متطلبات المستثمرين، سواء من خلال تعديل مدفوعات الفائدة أو تنويع آجال الاستحقاق.

وأصبح التنافس في قطاع الذكاء الاصطناعي يتجاوز تطوير التقنيات المتقدمة إلى القدرة على توفير رأس المال اللازم للنمو السريع، وهو ما قد يجعل حجم التمويل وتكلفته وسرعة الحصول عليه عوامل مؤثرة في تحديد الشركات القادرة على المنافسة مستقبلًا.

وفي الوقت نفسه، كثفت الشركات الصينية جهودها لجمع التمويل خلال الأشهر الأخيرة، ما يزيد الضغوط على الشركات الأميركية لمواصلة الاستثمار وعدم التراجع عن خطط التوسع.

تسعير سندات «سبيس إكس» يحدد مصير الصفقة

تفرض ضخامة التمويل المستهدف من «سبيس إكس» على البنوك التي ستتولى ترتيب الإصدار ضرورة هيكلة الصفقة بعناية، لضمان قدرة السوق على استيعاب هذا الحجم من السندات دون اضطرابات كبيرة.

وقد يساعد توزيع الإصدار على سندات بآجال استحقاق مختلفة في توسيع قاعدة المشترين، فيما يمثل التسعير عاملًا حاسمًا في نجاح العملية؛ إذ إن خفض علاوات العائد بصورة مبالغ فيها قد يؤدي إلى تراجع طلبات الاكتتاب سريعًا، بما يهدد استقرار الصفقة.

وتبرز هذه المخاطر في ضوء الاضطرابات التي صاحبت صفقة «باراماونت سكاي دانس» البالغة قيمتها 52 مليار دولار، بما يؤكد أهمية التنفيذ الدقيق في عمليات التمويل العملاقة.

ورغم هذه التحديات، لا تزال طفرة الذكاء الاصطناعي مستمرة، فيما قد تختبر خطة إيلون ماسك حدود قدرة الأسواق على تمويل التوسع بالديون، دون أن يعني ذلك بالضرورة اقتراب نهاية موجة الاقتراض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

 

إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1606

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *