كشفت وثائق قضائية رُفعت عنها السرية في الدعوى التي أقامتها صحيفة «نيويورك تايمز» ضد شركتي OpenAI ومايكروسوفت، عن تفاصيل جديدة بشأن استخدام محتوى الناشرين في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، تضمنت انتقادات واعترافات داخلية بشأن حجم البيانات التي جرى جمعها وطريقة استخدامها.
وأظهرت الوثائق، وفقاً لما ورد في مذكرة قدمتها «نيويورك تايمز» إلى المحكمة، أن مسؤولاً تنفيذياً بارزاً في مايكروسوفت وصف ممارسات جمع البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بأنها ترقى إلى «السرقة»، فيما تضمنت مراسلات داخلية في OpenAI تحذيرات من أن منتجات الذكاء الاصطناعي قد تشكل تهديداً كبيراً لنموذج عمل الناشرين والصحفيين.
وثائق القضية تكشف تفاصيل جديدة عن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي
وتضمنت الملفات القضائية ادعاءات بشأن جمع كميات ضخمة من المحتوى المنشور على الإنترنت، إلى جانب معلومات عن استخدام محتوى موجود خلف أنظمة حجب مدفوعة، فضلاً عن إزالة إشعارات حقوق الطبع والنشر من بعض بيانات التدريب.
لكن المعلومات الجديدة تحتاج إلى قراءة في سياقها، إذ إن جزءاً كبيراً منها ورد في مذكرة قدمتها صحيفة «نيويورك تايمز» للمحكمة، بينما لا تزال بعض المستندات الأصلية خاضعة للسرية، كما أن الاقتباسات الواردة في الملفات الجديدة عُرضت في بعض الحالات من دون سياقها الكامل.
الجدل القانوني حول استخدام المحتوى المحمي بحقوق النشر
تظل مسألة استخدام المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي موضع نزاع قانوني في الولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية اعتبار عمليات التدريب «استخداماً عادلاً» وفق القانون الأميركي.
ويتيح مبدأ الاستخدام العادل استخدام بعض الأعمال المحمية دون الحصول على إذن في ظروف محددة، إلا أن تطبيقه على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يخضع لنقاش قضائي مستمر.
وتشير الملفات إلى أن بعض الاعترافات الداخلية التي ظهرت في القضية قد تثير تساؤلات بشأن عناصر من دفاع OpenAI، ولا سيما ما يتعلق بتأثير استخدام المحتوى على السوق الأصلي للناشرين.
بيانات مايكروسوفت تكشف تراجع زيارات نيويورك تايمز
وأظهرت بيانات داخلية لمايكروسوفت، بحسب الملفات القضائية، أن محرك الإجابات Copilot أدى إلى انخفاض معدلات النقر للوصول إلى نطاق صحيفة «نيويورك تايمز» بنسبة وصلت إلى 93% مقارنة بنتائج البحث التقليدية عبر Bing.
وفي عرض تقديمي داخلي أعده برنت هيشت، مدير العلوم التطبيقية في مايكروسوفت، خلال يناير 2024، وصف التراجع بأنه مشكلة قد تؤثر في نماذج الذكاء الاصطناعي وفي منظومة الويب نفسها.
وأشارت الوثيقة إلى مفارقة تتمثل في أن منتجات نماذج اللغة الكبيرة قد تعتمد على المحتوى الذي ينتجه الناشرون، بينما يمكن لهذه المنتجات في الوقت نفسه تقليل وصول المستخدمين إلى المواقع التي توفر هذا المحتوى.
ساتيا ناديلا: المحتوى خلف جدار الدفع يحتاج إلى ترخيص
وخلال إفادة قضائية في وقت سابق من العام الحالي، قال ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، إن المحتوى المحمي بنظام حجب مدفوع ينبغي الحصول على ترخيص لاستخدامه في تقديم المعلومات إلى النماذج أو تدريبها.
وأوضح ناديلا أنه لو علم بأن OpenAI جمعت محتوى موجوداً خلف جدار دفع ودربت نماذجها عليه، لكان بإمكان مايكروسوفت مطالبة الشركة بإعادة تدريب نماذجها، وفق ما ورد في الملفات.
OpenAI تناقش تأثير روبوتات المحادثة على الناشرين
وتضمنت الوثائق كذلك مراسلات داخلية لمسؤولين في OpenAI بشأن العلاقة بين روبوتات المحادثة والمصادر الإخبارية.
ونقلت الملفات عن نيك تورلي، رئيس ChatGPT في OpenAI، قوله في مراسلات داخلية إن الناشرين يواجهون تهديداً من منتجات روبوتات المحادثة، مع إمكانية أن تصبح هذه الأدوات بديلاً عن الوصول المباشر إلى المصادر الأصلية كلما تطورت قدراتها.
كما تضمنت الوثائق تصريحات من مسؤولين في الشركتين حول قدرة روبوتات المحادثة على تقديم المعلومات للمستخدم مباشرة، بما قد يقلل الحاجة إلى الانتقال إلى الموقع الأصلي للحصول عليها.
الذكاء الاصطناعي يغير علاقة المستخدم بالمصدر الأصلي
وتسلط هذه الإفادات الضوء على تحول محتمل في طريقة الوصول إلى المحتوى الرقمي، إذ يمكن للمستخدم الحصول على إجابة مباشرة من نظام ذكاء اصطناعي بدلاً من زيارة الموقع الذي نشر المعلومات في الأصل.
وتشير إحدى وثائق مايكروسوفت إلى مخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى التأثير في الوظائف والأعمال التي ينتج أصحابها البيانات والمحتوى المستخدم في تدريب النماذج.
أكثر من 91 ألف نسخة من أعمال منشورة في بيانات التدريب
وتكشف الوثائق القضائية عن حجم كبير من عمليات النسخ المرتبطة ببيانات التدريب المستخدمة في مراحل تطوير النماذج.
وبحسب الملفات، تضمنت مجموعات بيانات مستخدمة في مراحل التدريب الوسيطة أكثر من 91,692 نسخة من أعمال نشرتها «نيويورك تايمز» و«Daily News» و«Center for Investigative Reporting».
كما احتوت إحدى مجموعات البيانات المستمدة من Common Crawl على أكثر من مليوني وثيقة مأخوذة من موقع nytimes.com وحده.
مسؤول في مايكروسوفت يصف جمع البيانات بـ«أكبر سرقة»
وفي مذكرة داخلية تعود إلى يناير 2023، وصف برنت هيشت عملية جمع المحتوى المستخدمة في تدريب النماذج بأنها عملية ضخمة وغير مسبوقة، مستخدماً تعبير «أكبر سرقة للعمالة في تاريخ البشرية» لوصف حجم ما اعتبره عملية الاستفادة من أعمال الآخرين.
وتظهر هذه المراسلات حجم الجدل الداخلي حول العلاقة بين نماذج الذكاء الاصطناعي ومصادر المحتوى التي تعتمد عليها في التدريب.
كيف جُمعت بيانات تدريب نماذج OpenAI؟
وتتضمن الملفات تفاصيل عن استخدام مصادر متعددة لجمع البيانات، من بينها فهرس Bing، إلى جانب مجموعات بيانات جرى إعدادها خلال التعاون بين OpenAI ومايكروسوفت.
ووفقاً لما ورد في الملف، سلمت OpenAI مجموعة بيانات التدريب الكاملة الخاصة بـGPT-3 إلى مايكروسوفت، لاستخدامها في تقييم كيفية دمج نماذج OpenAI داخل منتجات الشركة.
كما قدمت مايكروسوفت بيانات تدريب إلى OpenAI من خلال مبادرتين حملتا اسمي Project Taxi وProject Mango.
وتشير الوثائق إلى أن مجموعة Project Mango تضمنت نسخاً من أكثر من 160,903 أعمال فريدة مرتبطة بناشري الأخبار.
ادعاءات بشأن تجاوز أنظمة حجب المحتوى المدفوع
وتزعم الملفات أن موظفين في OpenAI وضعوا خططاً لجمع كميات أكبر من المحتوى عبر تجاوز أنظمة حجب المحتوى المدفوع.
كما وردت في الوثائق مراسلات داخلية تتعلق باكتشاف طريقة للوصول إلى محتوى صحيفة «نيويورك تايمز» الموجود خلف جدار دفع، مع الإشارة إلى رد من غريغ بروكمان، رئيس OpenAI، على هذه المراسلات.
وتحتاج هذه الوقائع إلى النظر إليها في ضوء ما ستقرره المحكمة بشأن الأدلة والادعاءات المتبادلة بين أطراف القضية.
مجموعات بيانات ضخمة من محتوى الإنترنت
كما تشير الوثائق إلى استخدام OpenAI لمجموعات بيانات تدريبية مثل WebText وWebText2، والتي اعتمدت بدرجة كبيرة على محتوى إخباري جرى جمعه من الإنترنت.
واستخدمت الشركة كذلك ملايين المقالات من Common Crawl، وهو مستودع مفتوح لبيانات الزحف على الويب، ضمن عمليات جمع البيانات المستخدمة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
إزالة إشعارات حقوق الطبع والنشر من بعض البيانات
وتشير النتائج الواردة في الملفات إلى أن الباحثين أجروا أيضاً عمليات على بيانات التدريب لإزالة بعض إشعارات حقوق الطبع والنشر قبل إدخال المحتوى إلى النموذج.
ووفقاً لما نقلته الوثائق، ارتبطت هذه الخطوة برغبة الباحثين في منع النموذج من إنتاج إشعارات حقوق الطبع والنشر للمستخدمين.
القضية تعيد فتح ملف حقوق النشر والذكاء الاصطناعي
وتضيف الوثائق القضائية الجديدة بعداً آخر إلى النزاع المستمر بين شركات الذكاء الاصطناعي والناشرين بشأن استخدام المحتوى المحمي بحقوق الطبع والنشر في تدريب النماذج.
وتتمحور القضية حول أسئلة قانونية واقتصادية متشابكة، من بينها حدود الاستخدام العادل، وطبيعة البيانات المستخدمة في التدريب، وتأثير أدوات الذكاء الاصطناعي على حركة الزيارات إلى المواقع الإخبارية، ومدى ضرورة حصول الشركات على تراخيص لاستخدام المحتوى المحمي.
كما أن تصريحات المسؤولين الواردة في الملفات لا تمثل بالضرورة أحكاماً قضائية نهائية بشأن قانونية هذه الممارسات، بينما يستمر النزاع أمام المحكمة.




