لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تستخدم لتحليل الصور الطبية أو تسريع بعض المهام البحثية، بل أصبح يدخل تدريجيًا في قلب أبحاث السرطان، من فهم آليات نشأة الأورام وتطورها، إلى اكتشاف الأدوية وتوقع استجابة المرضى للعلاج وتصميم التجارب السريرية. ويرى باحثون أن قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات هائلة من البيانات قد تفتح مسارات جديدة لفهم مرض شديد التعقيد والتنوع بين مريض وآخر.
الذكاء الاصطناعي يقرأ ملايين البيانات للبحث عن أسرار السرطان
تكمن إحدى أهم مزايا الذكاء الاصطناعي في قدرته على التعامل مع بيانات ضخمة ومتنوعة في وقت قصير، تشمل المعلومات الجينية، وصور الأشعة، وشرائح الأنسجة، والسجلات الطبية، وبيانات الاستجابة للعلاج. وتشير مراجعة حديثة نشرتها دورية Nature Reviews Cancer في أبريل 2026 إلى أن دمج بيانات متعددة المستويات، من الجينوم والبروتينات إلى الصور الطبية والبيانات السريرية، يمكن أن يمنح الباحثين رؤية أكثر شمولًا للورم ويساعد في التشخيص المبكر وتصنيف المرضى والتنبؤ باستجابتهم للعلاج وآليات مقاومة الأدوية.
ويعمل الباحثون كذلك على استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم كيفية بدء الأورام وانتشارها، بما في ذلك تحليل التفاعلات الجزيئية المعقدة التي يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية. ويشير المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في دراسة آليات بيولوجية مرتبطة بالسرطان، إضافة إلى تطبيقاته في الكشف والتشخيص واكتشاف الأدوية والعلاج الدقيق.
من البحث عن الدواء إلى توقع استجابة المريض
أحد أكثر المجالات إثارة للاهتمام هو اكتشاف علاجات جديدة. يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل ملايين المركبات والبحث عن جزيئات قد تستهدف بروتينات أو طفرات مرتبطة بالسرطان، كما يمكنه دراسة التفاعلات بين الأدوية والأهداف الجزيئية والتنبؤ ببعض خصائص المركبات الجديدة.
وتشير دراسة حديثة في npj Precision Oncology إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا في مراحل متعددة من تصميم الأدوية، بدءًا من تحديد الأهداف العلاجية والتنبؤ بالتفاعلات بين البروتينات والمركبات، وصولًا إلى تصميم مركبات دوائية جديدة. كما يمثل استخدام نماذج التنبؤ بالبنية البروتينية، مثل AlphaFold، أحد التطورات المهمة التي ساعدت في دراسة البروتينات المرتبطة بالأمراض بسرعة أكبر من بعض الأساليب التقليدية.
وفي اتجاه آخر، طوّر باحثون في المعاهد الوطنية للصحة أداة ذكاء اصطناعي تعرف باسم PERCEPTION لتحليل بيانات التعبير الجيني على مستوى الخلية الواحدة، بهدف توقع مدى استجابة خلايا الورم لأدوية محددة. وأظهرت الاختبارات البحثية قدرة النموذج على توقع استجابة لخليط من الأدوية، وكذلك رصد مؤشرات مرتبطة بمقاومة بعض العلاجات، مع التأكيد على الحاجة إلى مزيد من البيانات والتحقق قبل الانتقال إلى استخدام سريري واسع.
خبراء: الإمكانات كبيرة.. لكن الطريق إلى المستشفى يحتاج إلى إثبات
يرى باحثون في مجال الأورام أن التطور الحالي لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلًا عن الطبيب أو الباحث، وإنما أداة يمكنها توسيع قدراتهم. وتوضح مراجعة منشورة في Nature Reviews Cancer عام 2026 أن ما يسمى «وكلاء الذكاء الاصطناعي» بدأ يتجاوز مجرد تصنيف البيانات أو إجراء التنبؤات، ليتمكن من تنظيم سلسلة من المهام المعقدة، مثل تحليل المعلومات واقتراح مسارات بحثية والمساعدة في تصميم الأدوية. ومع ذلك، يشدد الباحثون على وجود تحديات تتعلق بقدرات هذه الأنظمة وحدودها والأطر الأخلاقية والتنظيمية اللازمة لاستخدامها.
وفي المقابل، تأتي تحذيرات من المبالغة في تقدير النتائج الحالية. ففي أغسطس 2026، خلصت مراجعة في Nature Reviews Drug Discovery إلى أن الأدلة على التأثير السريري المباشر للذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاهتمام بالتقنية، مشيرة إلى مشكلات تتعلق بجودة البيانات، وترجمة النماذج إلى تطبيقات واقعية، وضرورة التركيز على قدرتها على تحسين القرارات بدل الاكتفاء بإثبات دقتها في الاختبارات الحسابية.
تجارب السرطان السريرية تدخل عصر الذكاء الاصطناعي
يمتد التأثير إلى التجارب السريرية أيضًا. فقد أصبح بالإمكان استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في العثور على المرضى الذين تنطبق عليهم شروط التجارب، وفحص السجلات الطبية واستخراج البيانات، ومتابعة المرضى والبيانات أثناء الدراسة.
وتشير مراجعة حديثة في Nature Reviews Clinical Oncology إلى أن أكثر التطبيقات التي تمتلك حاليًا أدلة عملية هي تلك التي تعزز عمل الباحثين والأطباء تحت إشراف بشري، خصوصًا مطابقة المرضى للتجارب وفحص معايير المشاركة واستخراج البيانات. أما تقنيات مثل المرضى الافتراضيين أو الأذرع الاصطناعية للتجارب فلا تزال في مراحل أكثر مبكرة وتحتاج إلى تحقق منهجي وتنظيمي إضافي.
التحدي الأكبر: الدقة والخصوصية والانحياز
رغم التقدم، لا يزال الطريق أمام الذكاء الاصطناعي في أبحاث السرطان مليئًا بالتحديات. فالنموذج الذي يتعلم من بيانات غير متنوعة قد يعطي نتائج أقل دقة لدى مجموعات سكانية لم تكن ممثلة بصورة كافية في البيانات الأصلية.
ويحذر المعهد الوطني للسرطان من أن التحيز في البيانات قد ينتقل إلى النماذج، كما يؤكد أهمية قابلية تفسير النتائج وإجراء تجارب سريرية عشوائية للتحقق من فاعلية تطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل اعتمادها على نطاق واسع.
وبذلك، يبدو أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في أبحاث السرطان لا تكمن فقط في قدرته على معالجة البيانات بسرعة، وإنما في إمكانية دمج المعلومات الجينية والبيولوجية والسريرية في صورة واحدة تساعد الباحثين على طرح أسئلة جديدة واكتشاف أهداف علاجية لم تكن واضحة من قبل. لكن الانتقال من نتائج المختبر والحاسوب إلى علاج يعتمد عليه المرضى سيظل مرتبطًا بصرامة التحقق العلمي، وجودة البيانات، والإشراف البشري والتنظيمي.




