تتسارع وتيرة دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة الترفيه، مع ظهور مسلسلات وأفلام تُنتج بالكامل باستخدام الخوارزميات، دون الحاجة إلى استوديوهات تصوير أو فرق عمل كبيرة أو ممثلين أمام الكاميرا. وبفضل انخفاض التكلفة وسرعة الإنتاج، باتت هذه الأعمال قادرة على الوصول إلى ملايين المشاهدين، وفرض واقع جديد على صناعة الدراما التي تعتمد تقليدياً على الإبداع البشري والموارد الإنتاجية الضخمة.
وتتصدر الصين موجة انتشار الدراما القصيرة المولّدة بالذكاء الاصطناعي، فيما بدأت تجارب مماثلة تظهر في المنطقة العربية، ومنها السعودية التي أطلقت مبادرات لدعم إنتاج الأفلام باستخدام التقنيات الحديثة. لكن هذا التحول يثير تساؤلات بشأن مستقبل الممثلين والعاملين في صناعة السينما والتلفزيون، وحقوق استخدام الصور والأصوات، ومدى قدرة الجمهور على تقبل أعمال لا يشارك البشر في إنتاجها بصورة مباشرة.
الصين تقود طفرة مسلسلات الذكاء الاصطناعي
شهدت سوق «الميكرودراما» في الصين توسعاً لافتاً، إذ طُرح نحو 128 ألف مسلسل قصير خلال الربع الأول من عام 2026، وكان 95% منها مولّداً بالذكاء الاصطناعي، وفق بيانات أوردتها تقارير إعلامية صينية.
وتتميز هذه الأعمال بقصر حلقاتها واعتمادها على السرد السريع، بما يتناسب مع المشاهدة عبر الهواتف المحمولة. كما تسمح أدوات الذكاء الاصطناعي بتقليص الوقت والتكاليف، إذ تُقدّر تكلفة الحوسبة اللازمة لإنتاج دقيقة واحدة بنحو 30 دولاراً، ما يجعل إنتاج مسلسل مدته 50 دقيقة ممكناً بنحو 1500 دولار، وفق الأرقام الواردة في التقارير.
ويعكس هذا النموذج تحولاً في اقتصاديات الإنتاج الدرامي، بعدما أصبح بالإمكان تطوير أعمال خلال أيام بدلاً من أسابيع، مع الاستغناء عن جانب من تكاليف التصوير والمعدات والديكورات وأجور فرق العمل.
فيلم بمليوني دولار؟ لا.. ألفا دولار تكفي!
يقدم فيلم «وحش الأم» مثالاً على سرعة الإنتاج باستخدام الذكاء الاصطناعي، إذ تدور أحداثه حول فتاة شابة تنجب تنيناً، وحقق، بحسب تقديرات الشركة المنتجة «زيتومايت»، نحو 50 مليون مشاهدة لنسخته الأصلية على يوتيوب خلال أسبوع واحد، بينما اقتربت مشاهدات المقاطع المعاد نشرها على منصات التواصل الاجتماعي من مليار مشاهدة.
وتقول الشركة إن إنتاج الفيلم استغرق أقل من 72 ساعة، بتكلفة لم تتجاوز ألفي دولار، وهو ما يوضح الفارق بين هذا النموذج الإنتاجي والأساليب التقليدية التي تحتاج إلى ميزانيات وفرق عمل أكبر.
ومع ذلك، لا يعني انخفاض تكلفة الإنتاج ضمان النجاح، إذ تشير بيانات منصة «دوين»، النسخة الصينية من تيك توك، إلى أن 1055 عملاً فقط من أصل 221.9 ألف عمل جديد مولّد بالذكاء الاصطناعي خلال النصف الأول من العام تجاوزت حاجز 100 مليون مشاهدة، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عن شركة أبحاث السوق «داتا آي».
سوق بمليارات الدولارات وفرص للربح
تتوقع تقديرات بحثية أن تصل قيمة سوق المسلسلات القصيرة المولّدة بالذكاء الاصطناعي في الصين إلى 40 مليار يوان، أي نحو 5.9 مليار دولار، خلال عام 2026.
وتعتمد الإيرادات المحتملة على نماذج متعددة، من بينها الإعلانات وتقاسم العوائد مع منصات العرض، واشتراكات المشاهدة، والدفع مقابل فتح الحلقات، إلى جانب بيع حقوق الأعمال وترخيصها لمنصات أخرى.
وتسعى مدن صينية إلى استقطاب الشركات الناشئة وصناع المحتوى من خلال تقديم الدعم المالي وتوفير قدرات الحوسبة وإنشاء تجمعات متخصصة في التكنولوجيا، في محاولة لتحويل إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي إلى صناعة متكاملة قابلة للتوسع والتصدير إلى الأسواق العالمية.
كما تسهم النماذج المتطورة لتوليد الفيديو، ومنها «سيدانس 2.0» من شركة بايت دانس، في توسيع إمكانات إنتاج المشاهد والشخصيات الرقمية.
السعودية تدخل سباق أفلام الذكاء الاصطناعي
لم تعد موجة الإنتاج المدعوم بالذكاء الاصطناعي مقتصرة على الصين، إذ شهدت السعودية خطوات لدعم توظيف هذه التقنيات في صناعة الأفلام.
وأطلقت جمعية الثقافة والفنون بجدة مبادرة «أفلام الذكاء الاصطناعي»، بهدف تمكين المبدعين من استخدام الأدوات الحديثة في إنتاج أعمال سينمائية مبتكرة، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ومن بين التجارب السعودية فيلم «مزنة»، الذي تتصدره شخصية افتراضية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، في مؤشر على اتساع نطاق استخدام الشخصيات الرقمية في السرد السينمائي العربي.
من المسلسلات القصيرة إلى التلفزيون والسينما
يمتد التحول إلى الإنتاجات الطويلة، بعدما شهدت الصين عرض مسلسل «The Later Journey to the West»، الذي وُصف بأنه أول مسلسل تلفزيوني طويل مولّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي، في خطوة جذبت اهتمام السوق وأثرت في أسهم شركة «مانغو إكسلنت ميديا» التي ارتفعت بنسبة 64%، وفق ما أوردته بلومبرغ.
كما حصل فيلم الخيال العلمي «Sanxingdui: Future Memories»، الذي تبلغ مدته 90 دقيقة، على ترخيص للعرض في دور السينما الصينية، ليصبح، وفق التقارير، أول فيلم مولّد بالذكاء الاصطناعي من إنتاج استوديو صيني كبير يحصل على هذه الموافقة.
وبالتوازي مع الأعمال المنتجة بالكامل بهذه التقنيات، يتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام التقليدية، سواء في تنفيذ المؤثرات البصرية أو تعديل أعمار الممثلين رقمياً أو معالجة الصور والأصوات، إلى جانب تطبيقات أخرى في مراحل الإنتاج المختلفة.
نجوم افتراضيون يحصدون المتابعين
تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي صناعة شخصيات خيالية تتمتع بمظهر واقعي وحضور مستمر على منصات التواصل الاجتماعي، حتى لو لم يكن لها وجود خارج العالم الرقمي.
ومن الأمثلة على ذلك «لوكا كاستيلانو»، بطل مسلسل «عروس في عالم المافيا»، الذي اكتسب شهرة على وسائل التواصل الاجتماعي رغم كونه شخصية افتراضية. وفي الصين، جذبت «فانغ تاوزي»، بطلة مسلسل «The Laid-off Girl»، نحو 400 ألف متابع على المنصات الصينية، وأصبحت تنشر محتوى يحاكي تفاصيل حياتها اليومية.
وتكشف هذه التجارب عن تحول في مفهوم النجومية، إذ باتت الشخصية الرقمية قادرة على بناء جمهور والتأثير في اتجاهات الموضة والمظهر، من دون الحاجة إلى ممثل يؤدي دورها أمام الكاميرا.
لكن تطور هذه الشخصيات يثير مخاوف لدى الممثلين الحقيقيين، خصوصاً مع انتقال الأعمال المولّدة بالذكاء الاصطناعي من نماذج بدائية إلى إنتاجات أكثر واقعية، بما قد يقلل الطلب على بعض الأدوار الفنية.
وظائف الممثلين والعاملين تحت الضغط
يثير الانتشار المتزايد للدراما المولّدة بالذكاء الاصطناعي مخاوف من تأثيرها في فرص العمل داخل صناعة الترفيه، ولا سيما في إنتاج المسلسلات القصيرة والمهن المرتبطة بالتصوير والديكور والمونتاج والأداء التمثيلي.
وفي الصين، أشارت تقارير إلى أن نحو 690 ألف شخص يعملون في صناعة المسلسلات القصيرة قد يواجهون مخاطر على وظائفهم مع اتساع استخدام هذه التقنيات.
وفي الولايات المتحدة، دفعت المخاوف المتعلقة باستبدال الممثلين بشخصيات رقمية نقابة «SAG-AFTRA» إلى فرض قيود وتأكيد ضرورة التفاوض بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاجات الفنية.
ولا تقتصر القضية على عدد الوظائف، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين الفنان والعمل، وحدود الاستعانة بالنسخ الرقمية، ومدى احتفاظ الممثلين بحقوقهم في صورهم وأصواتهم وأدائهم.
ممثلون يؤجرون ملامحهم الرقمية
في المقابل، بدأ بعض الفنانين التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة لتحقيق عوائد مالية من نسخهم الرقمية، بدلاً من النظر إليه بوصفه تهديداً فقط.
وفي يوليو 2026، سمحت الممثلة التايوانية جوي وونغ، البالغة 59 عاماً، باستخدام صور تعود إلى فترة شبابها في مقطع ترويجي مولّد بالذكاء الاصطناعي مدته 87 ثانية، لصالح سلسلة ألعاب إلكترونية تابعة لشركة «نت إيز». وكانت وونغ قد اعتزلت التمثيل عام 2004.
كما أعلن الممثل من هونغ كونغ لورانس نغ ترخيص ملامحه في مرحلة شبابه لاستخدامها في إنتاج فيلم بالذكاء الاصطناعي، بحسب تقارير صحفية.
وتتيح هذه الممارسات إعادة توظيف صور الفنانين في أعمال جديدة من دون حضورهم الفعلي أمام الكاميرا، لكنها تجعل الموافقة القانونية وشروط الاستخدام والتعويضات عناصر أساسية في حماية حقوقهم.
الذكاء الاصطناعي يعيد الممثلين بعد وفاتهم
وصلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى إعادة إنشاء صور وأصوات فنانين راحلين، بما يسمح بظهورهم في أعمال لم يتمكنوا من تصويرها قبل وفاتهم.
ومن أبرز الحالات الممثل الأميركي فال كيلمر، الذي يُنتظر ظهوره في فيلم «As Deep as the Grave» باستخدام نسخة رقمية مولّدة بالذكاء الاصطناعي. وكان كيلمر قد وافق على المشاركة في العمل قبل وفاته عام 2025، لكنه لم يتمكن من تصوير مشاهده، ما دفع صناع الفيلم إلى إعادة إنشاء صورته وصوته بموافقة عائلته وورثته، وفق مجلة «فارييتي».
وتفتح هذه التجارب نقاشاً حول حقوق الفنان بعد وفاته، وحدود استخدام هويته الرقمية، ودور أسرته وورثته في الموافقة على ظهور نسخ منه في أعمال جديدة.
سوق لتأجير الوجوه الرقمية
امتد نموذج الترخيص الرقمي إلى الأشخاص العاديين، مع ظهور منصات في الصين تتيح للأفراد تأجير ملامحهم لشركات الإنتاج مقابل مبالغ مالية، مع تحديد أنواع المحتوى الذي يسمحون باستخدام صورهم فيه.
وتتراوح الأسعار، وفق صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، بين 7 دولارات و15 ألف دولار، بحسب طبيعة الترخيص وشروطه. وتتيح هذه المنصات لشركات الإنتاج البحث عن الوجوه وفق معايير مثل العمر والجنس والملامح، بما يسهل اختيار الشخصيات المناسبة للأعمال المختلفة.
ويرى بعض المشاركين في هذه السوق أن الترخيص قد يمنحهم مقابلاً مادياً وقدراً من التحكم في استخدام صورهم، بدلاً من ترك المجال أمام استخدامها دون موافقتهم. غير أن ظهور نزاعات بشأن شخصيات رقمية تشبه مدونين وعارضين صينيين من دون إذنهم يكشف عن تحديات قانونية وأخلاقية لا تزال بحاجة إلى حلول واضحة.
هل يتقبل الجمهور الدراما المصنوعة بالكامل بالذكاء الاصطناعي؟
رغم الانتشار السريع لبعض الأعمال، لا يزال تقبل الجمهور للدراما المولّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي متفاوتاً. ففي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «أنغوس ريد يو إس إيه» أن 39% من المشاركين مستعدون لمشاهدة فيلم أو مسلسل مصنوع بالكامل بهذه التقنية، مقابل 52% عندما يشارك البشر في إنتاجه.
وفي الهند، أظهرت دراسة أجرتها «أورماكس ميديا» بالتعاون مع «ميتا» أن 47% من مشاهدي الميكرودراما يرون الأعمال المولّدة بالذكاء الاصطناعي مبتكرة وفريدة، بينما قال 6% فقط إنهم سيتجنبون مشاهدتها تماماً.
وتشير هذه النتائج إلى أن الجمهور لا يتعامل مع التقنية بالطريقة نفسها في جميع الأسواق، وأن قبولها قد يرتبط بجودة العمل ومدى إسهام البشر في تطوير قصته وشخصياته.
كما أن نجاح بعض الأفلام التقليدية ذات الرسوم البسيطة، بالتزامن مع انتقادات لتشابه الأعمال المولّدة بالذكاء الاصطناعي وافتقار بعضها إلى الأصالة، يعكس استمرار أهمية القصة والهوية الفنية إلى جانب التطور التقني.
تحديات تقنية وأخلاقية ترسم مستقبل الصناعة
على الرغم من انخفاض التكاليف وسرعة الإنتاج، لا تزال الدراما المولّدة بالذكاء الاصطناعي تواجه تحديات فنية، أبرزها صعوبة الحفاظ على ثبات ملامح الشخصيات وحركاتها والخلفيات من مشهد إلى آخر، وهو ما قد يؤثر في تماسك العمل ومصداقيته البصرية.
وتبرز كذلك أسئلة بشأن حقوق الملكية الفكرية، والموافقة على استخدام الوجوه والأصوات، وحماية الفنانين والعاملين من فقدان وظائفهم، فضلاً عن ضرورة توضيح ما إذا كان المحتوى قد أُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وبين فرص خفض التكلفة وتوسيع الإنتاج من جهة، والمخاوف المتعلقة بالوظائف والأصالة والحقوق من جهة أخرى، تبدو صناعة الدراما أمام تحول متسارع. وقد لا يكون مستقبلها قائماً على استبدال البشر بالكامل، بل على تحديد الأدوار التي يمكن أن تؤديها الخوارزميات، والمساحات التي يظل فيها الإبداع والأداء الإنسانيان عنصرين أساسيين.




