وكلاء الذكاء الاصطناعي يغيرون القواعد .. من الإجابة عن الأسئلة إلى إدارة حياتك

بعد سنوات اعتاد خلالها مستخدمو روبوتات الذكاء الاصطناعي على طرح الأسئلة وانتظار الإجابات، ينتقل سباق التكنولوجيا إلى مرحلة جديدة تتولى فيها الأنظمة الذكية تنفيذ المهام بدلًا من الاكتفاء بتقديم الإرشادات.

ويأتي هذا التحول مع صعود ما يعرف بـ«وكلاء الذكاء الاصطناعي» (AI Agents)، وهي أنظمة قادرة على فهم هدف المستخدم، وتقسيمه إلى مجموعة من الخطوات، واستخدام الأدوات والمواقع والخدمات المختلفة، ثم مواصلة العمل حتى الوصول إلى النتيجة المطلوبة.

فبدلًا من سؤال روبوت محادثة عن طريقة تنظيم الملفات، يمكن للمستخدم تكليف الوكيل بتنظيمها بنفسه، كما يستطيع الوكيل البحث عن الرحلات والفنادق ومقارنتها، ثم تنفيذ إجراءات الحجز نيابة عن المستخدم.

من البرمجة إلى مهام الحياة اليومية

كانت البرمجة وهندسة البرمجيات من أوائل المجالات التي شهدت توسعًا في استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي، إذ أطلقت «أوبن إيه آي» وكيلها البرمجي Codex لتنفيذ مهام هندسة البرمجيات، بينما وسعت «أنثروبيك» نطاق الاستخدام عبر Claude Cowork، القادر على التعامل مع الملفات والأدوات وتنفيذ مهام عمل كاملة.

وجاء تطوير Cowork بعد ملاحظة استخدام أشخاص غير متخصصين لـClaude Code، الذي صُمم أساسًا للمطورين، في مهام مثل تنظيم المجلدات، وحذف الملفات المكررة، وكتابة معادلات جداول البيانات.

وأظهرت عينة من 1.2 مليون جلسة استخدام لـCowork خلال مايو الماضي أن 33.4% من الجلسات ارتبطت بعمليات الأعمال، مثل إعداد التقارير وتجميع المعلومات وإعداد قوائم الموظفين وتسوية البيانات في جداول البيانات، مقابل 8.7% فقط لتطوير البرمجيات.

الوكيل الشخصي يعرف تفاصيل حياتك

المرحلة التالية من تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي تدفع بهذه التكنولوجيا خارج بيئة العمل إلى الحياة اليومية، من خلال ما يعرف بـ«وكيل الذكاء الاصطناعي الشخصي».

ولا يحتاج هذا النوع من الوكلاء إلى مستخدم متخصص في البرمجة، إذ يمكنه الاتصال بالبريد الإلكتروني والتقويم والرسائل والحسابات والخدمات التي يستخدمها الشخص، ثم تنفيذ مجموعة من المهام نيابة عنه.

ومن أبرز الشركات التي تدفع بهذا الاتجاه شركة Instinct، التي أسسها الباحث نواه شين، الذي شارك خلال دراسته الجامعية في أبحاث مبكرة حول قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على التعلم من أخطائهم، قبل العمل في شركة Sierra المتخصصة في الوكلاء وتأسيس Instinct.

وجمعت الشركة 250 مليون دولار في جولة تمويلية قدرت قيمتها بنحو 2.5 مليار دولار، بينما انتشرت خدماتها سريعًا بين مستخدمي وادي السيليكون.

من حجز المطاعم إلى التفاوض على الفواتير

لا تكمن جاذبية الوكلاء الشخصيين في قدرتهم على تقديم إجابات أفضل، وإنما في قدرتهم على تنفيذ المهام فعليًا.

واستخدم مختبرون Instinct في حجز الرحلات والمطاعم، وإلغاء الاشتراكات، وشراء الاحتياجات، ومتابعة رسائل البريد الإلكتروني، وتنظيم التقويم.

كما استخدم أحد الأشخاص الوكيل لمراجعة اشتراكاته والتفاوض بشأنها، والعثور على رسالة مهمة داخل البريد المزعج، واستكمال مواعيد ناقصة في التقويم.

وفي سبتمبر، أضافت الشركة Instinct Concierge، لتوسيع قدرات الوكيل إلى المكالمات الهاتفية، بحيث يمكنه الاتصال بمطعم لا يوفر الحجز عبر الإنترنت، أو محاولة الحصول على موعد طبي ألغي في اللحظة الأخيرة، أو التواصل مع شركة خدمات لحل مشكلة في فاتورة المستخدم.

«ميتا» تدخل سباق الوكلاء الشخصيين

دخلت «ميتا» المنافسة بقوة مع إطلاق وكيلها الشخصي Muse في 8 سبتمبر، في محاولة لنقل وكلاء الذكاء الاصطناعي من منتجات موجهة للمتخصصين إلى خدمات استهلاكية واسعة النطاق.

ويستطيع Muse الاتصال بالخدمات التي يعتمد عليها المستخدم، مثل البريد والتقويم والمدفوعات والتسوق والمطاعم، ثم تنفيذ المهام من خلالها نيابة عنه.

ويمكن للمستخدم تكليف الوكيل بإرسال بريد إلكتروني، أو حجز رحلة، أو محاولة خفض إحدى الفواتير، أو ملء نموذج، أو تحويل وصفة طعام في فيديو إلى قائمة مشتريات، أو شراء منتج وإتمام عملية الدفع.

وفي حال عدم وجود واجهة برمجية للخدمة المطلوبة، يمكن للوكيل استخدام متصفح الويب للتعامل معها بالطريقة التي يتعامل بها المستخدم.

المنافسة تنتقل من «أذكى نموذج» إلى «أفضل وكيل»

مع توسع قدرات الوكلاء، بدأت طبيعة المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي تتغير.

فبدلًا من التركيز فقط على النموذج القادر على تقديم أفضل إجابة، تتجه الشركات إلى تطوير النظام الذي يستطيع تنفيذ أكبر عدد ممكن من المهام اليومية للمستخدم.

وفي الأسبوع نفسه الذي أضافت فيه Instinct قدرات الاتصال الهاتفي، بدأت «ميتا» أيضًا إتاحة قدرة Muse على الاتصال بالشركات الأميركية عبر الهاتف، في خطوة تعكس انتقال المنافسة إلى مستوى أكثر ارتباطًا بتنفيذ المهام الواقعية.

«جوجل» تختبر وكيلًا للعائلات والمنازل

تخوض «جوجل» السباق من خلال وكيلها التجريبي CC، الذي صممته الشركة لاختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على العمل باستقلالية داخل بيئة رقمية حقيقية.

وتقوم الفكرة على منح الوكيل حسابًا وأدوات وبيئة تشغيل خاصة به، بما يسمح له بفهم سياق المستخدم والوصول إلى الخدمات المصرح له باستخدامها وتنفيذ المهام، مع إبقاء القرارات الحساسة تحت سيطرة الإنسان.

ويعمل CC عبر خدمات جوجل المختلفة، بحيث يستطيع متابعة المهام وربط المعلومات المتفرقة واتخاذ الخطوات اللازمة للوصول إلى هدف كامل، بدلًا من الاكتفاء بالإجابة عن سؤال منفصل.

وفي 17 سبتمبر، وسعت جوجل التجربة ليصبح CC وكيلًا للعائلات والمنازل، يمكن لما يصل إلى 6 أفراد استخدامه، مع قدرة كل فرد على تحديد المعلومات التي يسمح للوكيل بالوصول إليها.

وكيل واحد يدير شؤون الأسرة

يمتلك CC حسابًا خاصًا به من جوجل، ويتصل بخدمات مثل Gmail وCalendar وChat وDocs، ويعمل عبر كمبيوتر سحابي منفصل.

ويمكن للوكيل جمع رسائل المدرسة ومواعيد الأنشطة والفواتير والمهام المنزلية في ملخص يومي مشترك، وإضافة المواعيد إلى التقويم، وإعداد قوائم المشتريات وخطط الوجبات، بل وملء استمارات تسجيل الأنشطة بعد الحصول على موافقة المستخدم.

وبذلك يتطور مفهوم الوكيل تدريجيًا من نظام يساعد المبرمج، إلى أداة تساعد الموظف، ثم مساعد شخصي يدير جانبًا من حياة الفرد، وصولًا إلى وكيل يمكن لأفراد الأسرة استخدامه بشكل مشترك.

الثقة والخصوصية.. التحدي الأكبر

كلما أصبح الوكيل أكثر قدرة على تنفيذ المهام، احتاج في المقابل إلى صلاحيات أوسع للوصول إلى بيانات المستخدم.

فحجز الرحلات قد يتطلب معلومات شخصية وبيانات دفع، وتنظيم البريد يحتاج إلى قراءة الرسائل، بينما قد تتطلب إدارة شؤون الأسرة الوصول إلى معلومات تخص الأطفال والمدرسة والمواعيد المنزلية.

وظهرت بالفعل بعض المشكلات خلال التجارب المبكرة لـInstinct، إذ أبلغ مستخدمون عن تنفيذ إجراءات غير مقصودة، فيما تواجه أنظمة الوكلاء خطر هجمات «Prompt Injection»، التي تعتمد على إدخال تعليمات خفية داخل المواقع أو الرسائل التي يقرأها الوكيل بهدف التأثير في قراراته.

حماية البيانات أمام وكلاء الذكاء الاصطناعي

تعمل «ميتا» على إضافة طبقات حماية إلى Muse، من بينها فصل بيانات تسجيل الدخول الحساسة عن بيئة عمل الوكيل، ومنع موصل البريد من تمرير رموز التحقق وروابط إعادة تعيين كلمات المرور وروابط تسجيل الدخول السريع.

كما تطور الشركة طبقات مخصصة لمقاومة التعليمات الخبيثة التي قد تحاول التأثير في سلوك الوكيل.

وتعتمد Instinct أيضًا على آليات للحد من كشف بيانات اعتماد المستخدم، وقصر وصول الوكيل إلى الحسابات والخدمات على الصلاحيات الضرورية لتنفيذ المهمة، مع إبقاء المستخدم صاحب القرار في منح الأذونات ومراجعة الإجراءات الحساسة.

هل يصبح وكيل الذكاء الاصطناعي مساعدًا دائمًا؟

يشير التطور السريع في هذا المجال إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يمثلون المرحلة التالية بعد روبوتات المحادثة التقليدية.

فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول قدرة النظام على فهم السؤال وتقديم الإجابة، وإنما حول قدرته على تحويل الهدف إلى خطوات، وتنفيذ هذه الخطوات عبر خدمات متعددة، والتعامل مع العقبات، ثم العودة إلى المستخدم بالنتيجة.

لكن زيادة الاستقلالية تعني في المقابل زيادة المسؤولية والمخاطر، خصوصًا عندما يحصل الوكيل على صلاحية قراءة البريد، والوصول إلى التقويم، وإجراء عمليات شراء أو حجز، والتعامل مع البيانات المالية والشخصية.

ولهذا، فإن مستقبل وكلاء الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على مدى ذكائهم، وإنما أيضًا على قدرتهم على العمل بأمان، واحترام خصوصية المستخدم، والحصول على الموافقات المناسبة قبل تنفيذ الإجراءات الحساسة.

سباق جديد على «وكيل» حياة المستخدم

بعد سنوات من التنافس على روبوت الدردشة الذي يقدم الإجابة الأفضل، ينتقل سباق الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة جديدة عنوانها: من يستطيع بناء الوكيل القادر على إنجاز أكبر قدر من مهام المستخدم اليومية؟

ومع دخول شركات كبرى مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«ميتا» و«جوجل»، إلى جانب شركات ناشئة مثل Instinct، يبدو أن الوكلاء يتجهون تدريجيًا من كونهم أدوات تجريبية للمتخصصين إلى أنظمة قد تصبح جزءًا من البنية الرقمية للحياة اليومية.

 

 

يوسف إبراهيم
يوسف إبراهيم
المقالات: 1410

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *