كشف تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن UNCTAD (أونكتاد) عن تحول جوهري في خريطة الاستثمار الدولي، مع صعود البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لتصبح المحرك الرئيسي لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حول العالم. ويعكس هذا التحول تزايد أهمية القطاعات التكنولوجية والاستراتيجية في رسم ملامح الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تتصدر الاستثمارات العالمية
أوضح التقرير أن البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي استحوذت على نحو 60% من إجمالي الاستثمارات التأسيسية الجديدة في القطاعات الاستراتيجية خلال عام 2025، مدفوعة بالتوسع الكبير في مراكز البيانات والحوسبة السحابية.
كما سجلت الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية الرقمية نمواً تجاوز 80% خلال عام واحد، ما يؤكد أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت أحد أهم محركات النمو والاستثمار على المستوى العالمي.
أوروبا والولايات المتحدة في صدارة المشهد التقني
بحسب التقرير، تواصل الولايات المتحدة تصدرها قائمة الدول المصدرة للاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، بينما برزت أوروبا باعتبارها الوجهة الرئيسية لاستقبال هذه الاستثمارات.
ويعكس هذا التوجه سعي الشركات العالمية إلى تعزيز وجودها في الأسواق الأوروبية التي توفر بيئة تنظيمية وتقنية جاذبة لمشروعات التكنولوجيا المتقدمة ومراكز البيانات.
الصين تحافظ على دورها الاستراتيجي رغم تراجع التدفقات
لا تزال الصين لاعباً محورياً في قطاع المعادن الحرجة وسلاسل التوريد المرتبطة بها، من خلال استثماراتها المباشرة في عمليات الاستخراج والمعالجة والتصنيع.
ورغم هذا الدور المؤثر، أظهر التقرير تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى شرق آسيا، بما في ذلك الصين، من 296 مليار دولار في عام 2023 إلى 270 مليار دولار في 2024، قبل أن تنخفض إلى 238 مليار دولار خلال 2025.
القطاعات الاستراتيجية تستحوذ على حصة متزايدة من الاستثمارات
رصد التقرير تحولاً هيكلياً واضحاً في توجهات المستثمرين، حيث ارتفعت مساهمة القطاعات الاستراتيجية، التي تشمل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة والطاقة، من 16% إلى 44% من إجمالي الاستثمارات التأسيسية العالمية منذ عام 2020.
كما قفزت قيمة هذه الاستثمارات من 109 مليارات دولار إلى 576 مليار دولار، في مؤشر على تنامي الرهان العالمي على الصناعات المستقبلية.
أشباه الموصلات تحقق نمواً استثنائياً
شهد قطاع أشباه الموصلات واحداً من أسرع معدلات النمو الاستثمارية عالمياً، حيث سجل متوسط نمو سنوي بلغ 54% خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، حققت مشروعات النفط والغاز زيادة محدودة في حجم الاستثمارات، بينما شهدت العديد من القطاعات الأخرى، بما فيها بعض أنشطة الطاقة المتجددة، تراجعاً نسبياً في التدفقات الاستثمارية.
نمو الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً
ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بنسبة 6% خلال عام 2025 ليصل إلى 1.624 تريليون دولار، بعد عامين متتاليين من التراجع.
إلا أن التقرير أشار إلى أن هذا النمو لم يكن متوازناً، إذ استحوذت أكبر 20 دولة مضيفة على أكثر من 80% من إجمالي التدفقات العالمية، ما يعكس استمرار تركّز الاستثمارات في عدد محدود من الاقتصادات الكبرى.
غرب آسيا يحقق نمواً ملحوظاً في التدفقات الاستثمارية
سجلت منطقة غرب آسيا، التي تضم دول الخليج والمشرق العربي، ارتفاعاً متواصلاً في الاستثمارات الأجنبية الواردة، لتصل إلى 111 مليار دولار خلال 2025، مقارنة بـ92 مليار دولار في 2024 و86 مليار دولار في 2023.
كما بلغت التدفقات الاستثمارية الصادرة من المنطقة نحو 142 مليار دولار، متجاوزة لأول مرة حجم الاستثمارات الواردة إليها، وهو ما يعكس تنامي دور المنطقة كمصدر لرؤوس الأموال العالمية.
أفريقيا تحافظ على مستويات استثمار قوية
رغم تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في أفريقيا إلى نحو 70 مليار دولار خلال 2025 مقارنة بـ94 مليار دولار في العام السابق، فإن القارة حافظت على مستويات أعلى من متوسطها التاريخي.
وتركزت الاستثمارات الأفريقية بشكل أساسي في مشروعات الطاقة والبنية التحتية والصناعات الاستخراجية والطاقة المتجددة والمعادن الحرجة، التي باتت تحظى بأهمية متزايدة في ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي والتكنولوجي.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي
تشير المؤشرات الواردة في تقرير أونكتاد إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع تقني واعد، بل أصبح قوة اقتصادية مؤثرة تعيد توجيه تدفقات الاستثمار العالمي نحو البنية التحتية الرقمية والتقنيات المتقدمة. ومع تسارع الطلب على مراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات، يتوقع أن يستمر هذا التحول في إعادة رسم خريطة الاستثمار الدولي خلال السنوات المقبلة.




