كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عن ظاهرة أطلقوا عليها اسم “تآكل الإسناد” (Attribution Decay)، توضح أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الكبيرة قد تتعلم من مليارات الصور، دون أن يكون من السهل تحديد صورة بعينها باعتبارها مصدرًا مباشرًا لصورة جديدة ينتجها النموذج.
ما هو “تآكل الإسناد” في الذكاء الاصطناعي؟
يشير مفهوم “تآكل الإسناد” إلى تراجع القدرة على تحديد تأثير عنصر واحد من بيانات التدريب كلما اتسع حجم البيانات التي يتعلم منها نموذج الذكاء الاصطناعي.
وبحسب الدراسة التي أعدها الباحثان تشنغ داي وديفيد جيفورد من مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في MIT ونُشرت في مجلة Nature Communications، فإن النماذج التي تتدرب على مجموعات بيانات ضخمة قد تستفيد من عدد هائل من الصور في تعلم الأنماط البصرية، ما يجعل ربط مخرجاتها بصورة تدريبية محددة أمرًا بالغ الصعوبة.
ماذا يحدث عند حذف صورة من بيانات التدريب؟
اعتمد الباحثون على تجربة مضادة للواقع تقوم على سؤال أساسي: ماذا سيحدث إذا أزيلت صورة واحدة من مجموعة بيانات تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي؟
وأظهرت النتائج أن حذف صورة واحدة من مجموعة بيانات ضخمة قد يؤدي إلى تغيير طفيف للغاية في مخرجات النموذج، أو قد لا ينتج عنه أي تغيير يمكن قياسه بشكل واضح.
ولا يقتصر الأمر على الصور الفردية، إذ يمكن أن تمتد الظاهرة إلى أعمال فنان كامل أو مجموعة صور مرتبطة بشخص معين، خصوصًا عندما تكون البيانات المستخدمة في التدريب هائلة ومتنوعة.
الذكاء الاصطناعي يتعلم من ملايين الصور
توضح الدراسة أن نموذج الذكاء الاصطناعي قد لا يعتمد على صورة واحدة عند إنتاج صورة جديدة، وإنما يتعلم تدريجيًا أنماطًا وخصائص بصرية مشتركة من عدد ضخم من البيانات.
وقد تشمل هذه الخصائص التكوين، والإضاءة، والألوان، والأنسجة، والتفاصيل البصرية والأساليب الفنية، بحيث يصبح من الصعب تحديد صورة منفردة باعتبارها المصدر المباشر للنتيجة النهائية.
وبذلك، يمكن القول إن النموذج قد “تعلم من الجميع”، لكن من دون أن تترك صورة واحدة بالضرورة بصمة واضحة يمكن تتبعها في مخرجاته.
هل تحسم الدراسة قضية حقوق النشر؟
لا تقدم الدراسة إجابة نهائية بشأن الجدل القانوني المتعلق باستخدام الأعمال المحمية بحقوق النشر في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
ويؤكد نطاق البحث أن القضية الأساسية التي يناقشها الباحثون تتعلق بإمكانية إثبات تأثير صورة تدريب محددة في نتيجة معينة، وليس تحديد ما إذا كان استخدام تلك الصورة في التدريب قانونيًا أم لا.
فحتى إذا لم يُعد النموذج إنتاج عمل فني بعينه، فإنه قد يكون تعلم من ملايين الأعمال عناصر بصرية وأساليب وخصائص ساهمت بصورة غير مباشرة في قدرته على إنتاج صور جديدة.
لماذا يصعب تتبع مصدر الصورة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي؟
كلما زاد حجم بيانات التدريب، أصبحت مساهمة كل عنصر منفرد أقل وضوحًا مقارنة بالتأثير الجماعي لملايين أو مليارات العناصر الأخرى.
وهذا يعني أن محاولة تحديد صورة أصلية واحدة باعتبارها “مصدر” صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي قد تكون غير دقيقة في كثير من الحالات، لأن المخرجات قد تكون نتيجة لتعلم أنماط موزعة على كمية هائلة من البيانات.
ماذا تعني نتائج الدراسة لمستقبل الذكاء الاصطناعي؟
تسلط نتائج البحث الضوء على تحدٍ مهم يتعلق بإمكانية تتبع مصادر بيانات التدريب وإسناد تأثيرها إلى مخرجات الذكاء الاصطناعي.
ومع استمرار تطوير نماذج أكبر وتوسيع مجموعات البيانات المستخدمة في تدريبها، قد يصبح إثبات العلاقة المباشرة بين عنصر محدد من بيانات التدريب ومحتوى مولد أكثر تعقيدًا.
ولا يعني ذلك أن بيانات التدريب تفقد أهميتها، بل يشير إلى أن تأثيرها قد يصبح موزعًا بدرجة كبيرة، ما يجعل تحديد المسؤولية أو الإسناد إلى مصدر واحد مسألة أكثر صعوبة.
الخلاصة
تقدم ظاهرة “تآكل الإسناد” تصورًا جديدًا للعلاقة بين بيانات التدريب ومخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي. فكلما اتسعت قاعدة البيانات، أصبح من الصعب تحديد ما إذا كانت صورة بعينها قد أثرت بشكل مباشر في صورة مولدة.
وتفتح هذه النتيجة الباب أمام أسئلة أوسع حول شفافية بيانات التدريب، وإمكانية تتبع مصادر المحتوى، وحقوق المبدعين، ومستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي التوليدي.




