دراسة: الذكاء الاصطناعي يغير اختيارات الطلاب

كشفت دراسة حديثة عن تغير لافت في اختيارات الطلاب الجامعية منذ إطلاق ChatGPT، إذ أظهرت بيانات بريطانية أن المتقدمين للجامعات اتجهوا بدرجة أكبر نحو التخصصات التي ترتبط بوظائف تعد من الأكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الابتعاد عنها.

وتشير النتائج إلى مفارقة لافتة، حيث تزايد الإقبال على تخصصات قد تواجه وظائفها المبتدئة ضغوطًا متزايدة بسبب الذكاء الاصطناعي، في وقت تتسارع فيه عملية إعادة تشكيل سوق العمل بفعل التكنولوجيا.

تحليل 5 سنوات من طلبات الالتحاق بالجامعات

اعتمد الباحثون على بيانات نظام UCAS المركزي المسؤول عن طلبات الالتحاق بالجامعات في بريطانيا، وحللوا بيانات تمتد لخمس سنوات بين عامي 2020 و2025.

وركزت الدراسة على التخصص والجامعة معًا، مثل دراسة الطب في جامعة إدنبرة أو علوم الحاسب في جامعة وارويك، لتحديد مدى تعرض المسارات الدراسية المختلفة لتأثير الذكاء الاصطناعي.

وأظهرت النتائج أن التخصصات الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي شملت مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات والإحصاء والهندسة، بينما كانت تخصصات مثل التمريض والتعليم من بين الأقل تعرضًا.

ChatGPT دفع الطلاب نحو التخصصات الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي

أظهرت أنماط التقديم تغيرًا بعد إطلاق ChatGPT في عام 2022، لكن الاتجاه جاء عكس المتوقع؛ إذ لم يتراجع الطلاب عن التخصصات الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي، بل زاد الإقبال عليها.

ووفق نتائج الدراسة، ارتبطت زيادة قدرها انحراف معياري واحد في مستوى تعرض التخصص للذكاء الاصطناعي بزيادة قدرها 6% في طلبات التقديم خلال دورات التقديم التي أعقبت إطلاق ChatGPT.

وشمل هذا الاتجاه الرجال والنساء، ومختلف المجموعات العرقية، سواء في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أو التخصصات الأخرى، بينما لم يتغير إجمالي الطلب على الأماكن الجامعية بصورة ملحوظة.

هل التعرض للذكاء الاصطناعي يعني اختفاء الوظائف؟

يشير الباحثون إلى أن تصنيف وظيفة أو تخصص باعتباره «معرضًا للذكاء الاصطناعي» لا يعني بالضرورة أن هذه الوظائف ستختفي.

ففي بعض المهن، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كأداة مساعدة للمتخصصين بدلاً من استبدالهم بالكامل، ومن بين الأمثلة التي يناقشها التقرير مهنة أطباء الأشعة، حيث يمكن للتكنولوجيا دعم المتخصصين في أداء مهامهم.

لكن الدراسة رصدت في الوقت نفسه تراجعًا في فرص العمل للمبتدئين في المجالات المرتبطة بالتخصصات الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل الخريجين الجدد الذين يختارون هذه المسارات.

لماذا اتجه الطلاب إلى هذه التخصصات؟

طرح الباحثون عدة تفسيرات للاتجاه نحو التخصصات الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي، من بينها عوامل اقتصادية سبقت إطلاق ChatGPT.

فبعد موجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا، ربما أصبح الطلاب أكثر ميلاً إلى التخصصات التي تقود عادة إلى وظائف ذات رواتب مرتفعة، وهي في كثير من الحالات التخصصات الأكثر ارتباطًا بالذكاء الاصطناعي.

كما يحتمل أن الطلاب في السنوات الأولى بعد ظهور ChatGPT نظروا إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة مهنية وليس تهديدًا، ورغبوا في العمل في مجالات تستخدم الأدوات الجديدة وتستفيد منها.

وكان هذا أحد التفسيرات التي قدمها الرئيس التنفيذي لـUCAS عام 2023 لزيادة الإقبال على دراسة هندسة البرمجيات.

مؤشرات على تغير الاتجاه في 2026

لم تشمل الدراسة بيانات طلبات الالتحاق لعام 2026 بشكل كامل، لكن أحد الباحثين أشار إلى أن تحليلًا أوليًا سريعًا لبيانات العام الحالي يشير إلى أن التأثير بدأ يتراجع جزئيًا.

ورغم ذلك، لا تزال طلبات التقديم إلى التخصصات الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي في 2026 أعلى بكثير من مستوياتها في عام 2022، الذي شهد إطلاق ChatGPT وانتشار استخدامه على نطاق واسع.

تحديات كبيرة أمام طلاب الجامعات

تسلط النتائج الضوء على صعوبة اتخاذ طلاب المدارس الثانوية قراراتهم بشأن التخصصات الجامعية في ظل سوق عمل سريع التغير.

ويواجه الشباب الذين يختارون تخصصاتهم في سن 17 أو 18 عامًا تحديًا يتمثل في محاولة توقع شكل الطلب على الوظائف بعد ثلاث أو أربع سنوات، في وقت يتطور فيه الذكاء الاصطناعي بسرعة، بينما لا تزال الشركات نفسها تبحث عن أفضل الطرق لاستخدامه وتحديد المهارات التي ستحتاج إليها مستقبلًا.

ويرى التقرير أن تراجع التوظيف بين الخريجين الجدد في بعض المهن الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي قد يكون نتيجة مؤقتة لحالة عدم اليقين التي تمر بها الشركات، أو قد يمثل تحولًا أكثر استدامة في سوق العمل.

وظائف جديدة قد تظهر مع تطور الذكاء الاصطناعي

في المقابل، لا يستبعد الباحثون ظهور وظائف ومهن جديدة تعتمد على المهارات نفسها التي يجري التأثير عليها حاليًا، ما يجعل التنبؤ بمستقبل سوق العمل أكثر تعقيدًا.

وتشير هذه التحولات إلى أهمية تطوير سياسات تسمح للعمال والطلاب بإعادة اكتساب المهارات والتعلم المستمر، خصوصًا مع تغير طبيعة الوظائف بوتيرة أسرع بفعل الذكاء الاصطناعي.

وتبقى النتيجة الأبرز أن الطلاب يضطرون اليوم إلى اتخاذ قرارات تعليمية طويلة الأجل في وقت لا تزال فيه الصورة المستقبلية لتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف غير محسومة بشكل كامل.

 

يوسف إبراهيم
يوسف إبراهيم
المقالات: 1394

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *