دراسة: الذكاء الاصطناعي يتنبأ بأمراض القلب

كشفت دراسة جديدة أجراها علماء في مؤسسة «سكريپس ريسيرش» بالولايات المتحدة عن تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي يمكنه تحسين اكتشاف أمراض القلب والتنبؤ باحتمالات الإصابة بها، مع إمكانية الاستفادة منه في الحالات التي تتوافر فيها كميات محدودة من البيانات الطبية المصنفة.

ويعتمد النموذج الجديد، الذي أطلق عليه الباحثون اسم ECG-CLIP، على تحليل تخطيط القلب الكهربائي، وقد صُمم ليكون قابلًا للتكيف مع مهام طبية مختلفة باستخدام عدد أقل من البيانات التي جرى تصنيفها يدويًا من جانب الأطباء.

تدريب النموذج على أكثر من 1.7 مليون تخطيط قلب

نُشرت الدراسة في دورية «Lancet Digital Health» في الأول من سبتمبر 2026، واعتمد الباحثون في تدريب النموذج على أكثر من 1.7 مليون تخطيط للقلب جُمعت من أكثر من 540 ألف شخص.

وربط الباحثون بيانات تخطيط القلب بالملاحظات الطبية التي سجلها الأطباء، بهدف تزويد النموذج بمعرفة أوسع تساعده على التعامل مع مهام مختلفة تتعلق باكتشاف أمراض القلب والتنبؤ بها في البيئات السريرية الواقعية.

وقال جورجيو كوير، الباحث الرئيسي في الدراسة والأستاذ المساعد للطب الرقمي في «سكريپس ريسيرش»، إن الخوارزمية تحتاج إلى نحو 12 تخطيطًا مؤكدًا لمرض محدد حتى تتمكن من اكتشافه مستقبلًا، وهو ما يشبه الطريقة التي يتعلم بها الطبيب من فهم فسيولوجيا تخطيط القلب ثم دراسة عدد محدود من الحالات المتخصصة.

الذكاء الاصطناعي يكتشف 3 أمراض قلبية

اختبر الباحثون قدرة النموذج على اكتشاف ثلاثة أمراض، هي احتشاء عضلة القلب الحاد، والداء النشواني القلبي، واعتلال عضلة القلب الضخامي.

ووضع الفريق أمام النماذج مجموعة بيانات جديدة تضمنت أكثر من 800 ألف تخطيط للقلب، وطلب منها تحديد التخطيطات التي تظهر مؤشرات على الإصابة بهذه الأمراض.

وأظهرت النتائج أن نموذج ECG-CLIP تفوق بصورة مستمرة على النماذج التقليدية في اكتشاف الأمراض الثلاثة، وفق مقياس «المساحة تحت المنحنى» (AUC)، الذي يستخدم لتقييم قدرة النموذج على التمييز بين الأشخاص المصابين وغير المصابين بالحالة المرضية.

دقة مماثلة مع بيانات أقل بنسبة 91%

ومن النتائج اللافتة في الدراسة أن نموذج ECG-CLIP تمكن، في مهام اكتشاف الأمراض الثلاثة، من الوصول إلى أداء مماثل لأفضل نموذج آخر جرى تدريبه باستخدام مجموعة البيانات الكاملة، لكنه احتاج في المتوسط إلى نحو 91% أقل من البيانات الطبية المصنفة يدويًا.

كما تفوق النموذج على ثلاثة نماذج أساسية أخرى جرى تدريبها على تخطيطات القلب دون الاستفادة من ملاحظات الأطباء، خاصة عندما كانت كمية البيانات المصنفة المتاحة محدودة.

أداء قوي حتى مع 10 حالات إيجابية

أظهرت الاختبارات أن ECG-CLIP حافظ على تفوقه في الحالات التي لم يتوافر فيها سوى عدد قليل جدًا من الأمثلة المصنفة، ووصلت الاختبارات إلى استخدام 10 أمثلة إيجابية فقط لبعض الأمراض.

وأوضح الباحثون أن هذه القدرة قد تكون مهمة بشكل خاص عند التعامل مع الأمراض النادرة، التي لا تتوافر بشأنها عادة أعداد كبيرة من تخطيطات القلب المصنفة بشكل موثوق.

ومع زيادة عدد الأمثلة المصنفة، بدأت الفروق في الأداء بين ECG-CLIP والنماذج الأخرى في التراجع.

النموذج يتنبأ بالرجفان الأذيني مستقبلًا

لم يقتصر اختبار النموذج على اكتشاف الأمراض الموجودة بالفعل، إذ درس الباحثون أيضًا قدرته على التنبؤ بأمراض القلب مستقبلًا.

وركز الفريق على الرجفان الأذيني، وهو أحد أنواع اضطراب نظم القلب، واختبر قدرة النماذج على التنبؤ بإصابة الأشخاص بهذا الاضطراب اعتمادًا على تخطيطات قلب ذات 12 مسارًا تظهر نظمًا طبيعيًا في وقت إجراء الفحص.

وأظهر ECG-CLIP أفضل أداء بين النماذج التي خضعت للاختبار في التنبؤ باحتمالية الإصابة بالرجفان الأذيني مستقبلًا.

توقع مخاطر الوفاة والأمراض المزمنة

اختبر الباحثون النموذج كذلك في التنبؤ ببعض النتائج الصحية السلبية، وأظهرت النتائج أن ECG-CLIP حقق أفضل أداء بين النماذج المختبرة في تقدير احتمالية البقاء على قيد الحياة لمدة 30 يومًا بعد زيارة قسم الطوارئ أو الخضوع لجراحة.

كما أظهر قدرة على التنبؤ باحتمالات الإصابة بأمراض مزمنة خلال فترة تصل إلى 3 سنوات، ومن بينها أمراض الكلى المزمنة والسكري من النوع الثاني.

إمكانية استخدام تخطيط القلب بمسار واحد

وأظهر ECG-CLIP أداءً جيدًا أيضًا عند استخدام بيانات تخطيط القلب أحادي المسار في اختبارات اكتشاف احتشاء عضلة القلب الحاد.

ويرى الباحثون أن هذه الإمكانية قد تفتح المجال أمام استخدام النموذج في البيئات التي تعاني من محدودية الموارد أو لا تتوافر فيها أجهزة تخطيط القلب التقليدية ذات المسارات المتعددة.

خرائط تساعد الأطباء على فهم قرارات الذكاء الاصطناعي

واجه الباحثون إحدى المشكلات الشائعة في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية، وهي صعوبة معرفة الخصائص التي يعتمد عليها النموذج عند اتخاذ قراراته.

ولمعالجة هذه المشكلة، طور الفريق ما يعرف باسم خرائط الأهمية (Saliency Maps)، وهي خرائط توضح المناطق داخل إشارات تخطيط القلب التي كان لها التأثير الأكبر في توقعات النموذج.

ويهدف استخدام هذه الخرائط إلى منح الأطباء رؤية أوضح بشأن أجزاء تخطيط القلب التي اعتمد عليها الذكاء الاصطناعي، بما قد يساعد على زيادة قابلية تفسير النتائج وتعزيز ثقة الأطباء في استخدام النموذج.

خطط لربط النموذج بأجهزة قابلة للارتداء

يخطط فريق «سكريپس ريسيرش» مستقبلًا لتوسيع أنواع البيانات التي يعتمد عليها النموذج، بهدف تحسين أدائه في بيئات محددة، من بينها أقسام الطوارئ.

كما يسعى الباحثون إلى اختبار مدى توافق ECG-CLIP مع أنظمة مختلفة لتسجيل تخطيط القلب، بما في ذلك الأجهزة القابلة للارتداء، وهو ما قد يتيح مستقبلًا استخدام التكنولوجيا في المراقبة المستمرة لأمراض القلب عن بُعد.

الحاجة إلى تجارب سريرية قبل الاستخدام الواسع

ورغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن النموذج يحتاج إلى عمليات تحقق صارمة من خلال تجارب سريرية مستقبلية قبل إثبات مدى ملاءمته للاستخدام في البيئات الطبية الواقعية.

وقال مايكل كو، الباحث المشارك في الدراسة من «سكريپس ريسيرش»، إن النتائج تظهر إمكانات كبيرة للنموذج، لكن تطبيقه سريريًا يتطلب مزيدًا من التحقق في ظروف واقعية.

وتأتي الدراسة ضمن سلسلة من خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي طورها فريق كوير لاستخدام تخطيط القلب في الكشف عن أمراض القلب وتشخيصها، بما في ذلك خوارزمية طُورت عام 2024 وتمكنت من تشخيص النوبات القلبية واضطرابات نظم القلب عند توافر 3 مسارات فقط من أصل 12 مسارًا لتخطيط القلب، وأخرى طُورت عام 2023 لتحديد المرضى الأكثر عرضة للإصابة بالرجفان الأذيني باستخدام جهاز لتخطيط القلب يُرتدى لمدة أسبوعين.

إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2201

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *