شركات الأدوية تواجه تحديات الذكاء الاصطناعي في المحاسبة والرقابة المالية

تصدر الذكاء الاصطناعي نقاشًا حديثًا جمع عددًا من قيادات المحاسبة والرقابة المالية في شركات الأدوية والتكنولوجيا الحيوية، من بينها «بيوجين» (Biogen) و«فيرتكس فارماسوتيكالز» (Vertex Pharmaceuticals) و«أكيبيا ثيرابيوتكس» (Akebia Therapeutics) و«رويفانت» (Roivant)، حيث استعرض المشاركون الفرص التي توفرها أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المخاطر المرتبطة باستخدامها في العمليات المالية والمحاسبية.

وركزت المناقشات على أهمية مراجعة إجراءات العمل الحالية وتحديد المجالات التي تستغرق وقتًا طويلًا أو تتضمن خطوات معقدة، بما يساعد الشركات على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي أو إعادة تصميم العمليات لتحسين الكفاءة وتقليل الأعباء التشغيلية.

وقالت جيني هيومز، رئيسة الحسابات في شركة «رويفانت»، إن مراجعة العمليات الداخلية تمثل خطوة مهمة للاستفادة من التقنيات الجديدة، موضحة أن الشركات يمكنها تحليل إجراءاتها لتحديد ما يعمل بكفاءة، وما يتسم بالتعقيد، والمهام التي يواجه الموظفون صعوبة في إنجازها. وأضافت أن الحل قد يكون استخدام أداة للذكاء الاصطناعي أو تعديل طريقة تنفيذ العمل، وفقًا لاحتياجات كل شركة.

تفاوت مستويات نضج الذكاء الاصطناعي بين الشركات

أظهرت المناقشات تفاوتًا واضحًا في مستويات تبني الذكاء الاصطناعي داخل شركات الأدوية، إذ لا تزال بعض المؤسسات في المراحل الاستكشافية الأولى، بينما تعمل شركات أخرى على بناء بنية تقنية متكاملة تمهد لاستخدامه على نطاق أوسع.

وأكد المشاركون أن شركاتهم لم تصل بعد إلى مرحلة دمج الذكاء الاصطناعي بصورة شاملة في أنظمة الرقابة الداخلية، رغم اختلاف مستويات الاستخدام والخبرة بين المؤسسات.

وقال ريتشارد مالابر، نائب الرئيس الأول ورئيس الحسابات في «أكيبيا ثيرابيوتكس»، إن الشركة، التي يبلغ عدد موظفيها نحو 200 موظف، تعتمد نهجًا أكثر تحفظًا في تبني الذكاء الاصطناعي بسبب محدودية فريق تكنولوجيا المعلومات لديها.

وأوضح أن شركته تفضل التقدم ببطء والاستفادة من تجارب المؤسسات الأخرى التي بدأت استخدام هذه التقنيات مبكرًا، بدلًا من التوسع السريع قبل اتضاح أفضل الممارسات والمخاطر المحتملة.

«فيرتكس» تركز على البنية التحتية والبيانات

في المقابل، تتبع شركة «فيرتكس فارماسوتيكالز» نهجًا استراتيجيًا ومنهجيًا في تطوير قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على بناء الأسس التقنية اللازمة قبل التوسع في التطبيقات العملية.

وقال سكوت جودسوي، المدير التنفيذي ومساعد المراقب المالي للشركة، إن «فيرتكس» تعمل على إنشاء بنية قوية للبيانات، تشمل مستودعًا مركزيًا يمكنه استيعاب المعلومات التي تحتاج إليها الشركة والاستفادة منها في التطبيقات المستقبلية.

وأضاف أن الشركة تدرس أيضًا كيفية بناء طبقة تنسيق تربط البيانات بالأدوات والأنظمة التي ستعتمد على الذكاء الاصطناعي، بما يضمن تنظيم العمليات وتكاملها.

وأشار جودسوي إلى أن الشركة تدرس بعناية قرارات تطوير الحلول داخليًا أو شراء أدوات جاهزة من مزودين خارجيين، مع العمل على وضع آلية واضحة لتقييم المشروعات المقترحة وتحديد أولوياتها وفقًا للقيمة التي يمكن أن تحققها للإدارات المختلفة.

«بيوجين» تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية الفردية

من جانبها، تركز شركة «بيوجين» حاليًا على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين إنتاجية الموظفين في مجال الرقابة المالية والمحاسبة، بدلًا من دمجه مباشرة في أنظمة الرقابة الداخلية.

وقال شون جودبوت، رئيس الحسابات والمراقب المالي العالمي في الشركة، إن نهج «بيوجين» يعتمد على تشجيع الموظفين على تجربة الأدوات الجديدة، وإجراء التحسينات، والتعلم من النتائج، ثم مشاركة الخبرات المكتسبة مع زملائهم.

ويعكس هذا التوجه اعتماد بعض الشركات على الاستخدام التدريجي للذكاء الاصطناعي، بما يسمح باختبار قدراته في المهام اليومية وتقييم فوائده قبل الانتقال إلى تطبيقات أكثر حساسية تتعلق بالضوابط المالية والامتثال.

الرقابة الداخلية والامتثال يفرضان قيودًا على استخدام الذكاء الاصطناعي

اتفق المشاركون في النقاش على عدم دمج الذكاء الاصطناعي حتى الآن في بيئات الرقابة الداخلية المرتبطة بقانون ساربينز أوكسلي (SOX)، مع التأكيد على ضرورة استمرار المراجعة البشرية نظرًا لحساسية الأعمال المحاسبية ومتطلبات الامتثال.

وتزداد أهمية هذه الضوابط عند استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات التي تتضمن المدفوعات أو التسويات المالية، إذ قد يؤدي تنفيذ إجراء غير مقصود إلى آثار مالية يصعب تداركها.

وأشارت هيومز إلى مثال نوقش خلال مؤتمر متخصص في استخدام الذكاء الاصطناعي لدى المدققين، حيث استُخدمت الأداة في محاولة لإجراء تسويات نقدية. وبدلًا من الاكتفاء بمطابقة الفروق، تعامل النظام مع نظام المدفوعات وأرسل مبالغ مالية بهدف الوصول إلى تطابق في النتائج.

ويبرز هذا المثال مخاطر منح أدوات الذكاء الاصطناعي صلاحيات تنفيذية واسعة دون ضوابط مناسبة، خاصة عندما تتمكن من الوصول إلى الأنظمة المالية. وأكدت هيومز أن وجود إجراءات رقابية واضحة يظل ضرورة أساسية في المحاسبة والامتثال، مهما تطورت الأدوات التقنية.

المدققون الماليون يوسعون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يقتصر التحول الرقمي على الشركات نفسها، بل امتد أيضًا إلى مكاتب التدقيق والمراجعة المالية، التي بدأت بدورها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي واكتساب مزيد من الخبرة في التعامل معها.

وأوضح المشاركون أن هذا التطور يفتح المجال أمام حوار متبادل بين الشركات والمدققين بشأن استخدام التقنيات الجديدة، بدلًا من أن يكون التغيير مدفوعًا من جانب الشركات وحدها.

ومن شأن هذا التعاون أن يساعد على تطوير فهم مشترك لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال المحاسبية، مع الحفاظ على متطلبات التوثيق والشفافية والرقابة على النتائج.

تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي في التحليل المالي

شهد مؤتمر التمويل والمحاسبة لقطاع العلوم الحيوية عرض نماذج عملية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المهام المحاسبية، حيث قدم أحد المتخصصين مثالًا على إعداد تحليل شهري للفروقات المالية باستخدام أداة «مايكروسوفت كوبايلوت» (Microsoft Copilot).

واستعرض العرض خطوات تنفيذ التحليل وطريقة صياغة التعليمات الموجهة إلى الأداة، بهدف توضيح كيفية الوصول إلى النتائج والاستفادة منها في العمل المالي.

وأكد المتخصص أن الهدف من استخدام الذكاء الاصطناعي ليس الحصول على مخرجات مثالية بالضرورة، بل الوصول إلى نتائج واضحة وشفافة يمكن مراجعتها والتحقق منها.

ويعكس هذا النهج أهمية اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وسيلة مساعدة للمحاسبين والمحللين الماليين، مع ضرورة التحقق من البيانات والنتائج قبل اعتمادها في التقارير أو القرارات المؤسسية.

مستقبل الذكاء الاصطناعي في المحاسبة يعتمد على الثقة والحوكمة

تشير تجارب شركات الأدوية والتكنولوجيا الحيوية إلى أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لا تتوقف على قدراته التقنية وحدها، بل تعتمد أيضًا على جاهزية البنية التحتية للبيانات، ووضوح سياسات الاستخدام، وتحديد الصلاحيات، وتوفير آليات فعالة للمراجعة البشرية.

ومع استمرار تطور الأدوات الذكية، قد تتوسع تطبيقاتها في إعداد التحليلات المالية ومراجعة البيانات وأتمتة الأعمال الروتينية. لكن نجاح هذه التطبيقات سيظل مرتبطًا بقدرة الشركات على تحقيق التوازن بين رفع الإنتاجية والحفاظ على دقة المعلومات والامتثال للمتطلبات التنظيمية.


إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2310

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *