أنثروبيك تتوقع ظهور ذكاء اصطناعي يضاهي خبراء البشر

كشفت شركة أنثروبيك (Anthropic) عن رؤيتها لمستقبل الذكاء الاصطناعي، متوقعةً انتقال الأنظمة الذكية من مجرد أدوات للإجابة عن الأسئلة وتنفيذ المهام المحدودة إلى وكلاء قادرين على إدارة مشروعات كاملة بصورة مستقلة، والعمل لساعات أو أيام أو أسابيع، مع إمكانية التعاون فيما بينهم لإنجاز مهام معقدة.

وجاءت هذه الرؤية ضمن نشرة أولية قدمتها الشركة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، في إطار استعداداتها لطرح أسهمها للاكتتاب العام، إذ استعرضت توقعاتها بشأن التطورات المرتقبة في قدرات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها في سوق العمل والقطاعات الاقتصادية والعلمية.

وبحسب ما أوردته «رويترز»، تستعد أنثروبيك لطرح أسهمها للاكتتاب العام في منتصف نوفمبر المقبل، دون تحديد موعد نهائي لبدء التداول. وتوقعت الشركة أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة قادرة، خلال سنوات قليلة، على امتلاك قدرات معرفية تضاهي قدرات أبرز الخبراء في معظم المجالات المهنية والعلمية.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى زميل افتراضي في العمل

ترى أنثروبيك أن صناعة الذكاء الاصطناعي تقترب من مرحلة جديدة، تصبح فيها الأنظمة الذكية أقرب إلى زملاء العمل القادرين على تنفيذ المهام، بدلًا من الاقتصار على تقديم الإجابات والاقتراحات التي يحتاج الموظفون إلى تحويلها بأنفسهم إلى إجراءات عملية.

وتطلق الشركة على هذه الأنظمة اسم «الزملاء الافتراضيين» (Virtual Collaborators)، وهي أنظمة تستطيع تنفيذ مهام مهنية معقدة تتكون من خطوات متعددة، بالاعتماد على صلاحيات الوصول إلى الملفات والبرامج وقواعد البيانات التي تمنحها المؤسسات لها.

وبدلًا من مطالبة نموذج ذكاء اصطناعي بكتابة ملخص لتقرير، يمكن تكليفه بمراجعة مجموعة من المستندات، واستخراج المعلومات ومقارنتها، ثم إعداد تقرير نهائي باستخدام الأدوات الرقمية المناسبة.

وتعتمد هذه القدرات على الاحتفاظ بسياق العمل، والتخطيط للخطوات المتتابعة، واستخدام البرامج المختلفة، ومراجعة النتائج، بما يسمح للأنظمة بتنفيذ مهام قد تستغرق من الموظف المتخصص ساعات طويلة أو أكثر من يوم.

Claude Code وClaude Cowork يقودان التحول نحو التنفيذ

تستشهد أنثروبيك بتطبيق Claude Code باعتباره أحد الأمثلة على انتقال الذكاء الاصطناعي من تقديم المساعدة إلى تنفيذ العمل، إذ يمكنه التخطيط لتطوير البرامج، وكتابة الشفرات البرمجية واختبارها، إلى جانب اكتشاف الأخطاء والمساعدة في إصلاحها.

ولا تقتصر هذه الرؤية على قطاع البرمجة، إذ طورت الشركة تطبيق Claude Cowork لتوسيع أسلوب العمل نفسه إلى مجالات مهنية أخرى، من خلال مساعدة الأنظمة الذكية على قراءة الملفات والتنقل بين التطبيقات وتنفيذ إجراءات متتابعة عبر الكمبيوتر.

ويستهدف هذا التوجه إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي للموظفين الذين لا يمتلكون خبرة في البرمجة، بحيث يمكنهم إسناد مهام متعددة الخطوات إلى النظام، بدلًا من الاكتفاء بطلب إجابات أو محتوى مكتوب.

ويمثل هذا التحول، وفق رؤية الشركة، خطوة نحو بيئات عمل يستطيع فيها الموظفون تحديد الأهداف ومتابعة النتائج، بينما تتولى الأنظمة الذكية تنفيذ جانب متزايد من العمليات المطلوبة.

ملايين وكلاء الذكاء الاصطناعي يعملون بالتوازي

تتجاوز طموحات أنثروبيك فكرة الاعتماد على وكيل ذكاء اصطناعي واحد لإنجاز مهمة محددة، إذ تتصور مستقبلًا يمكن فيه تشغيل ملايين «الزملاء الافتراضيين» بالتوازي، بحيث يعمل كل منهم على مشكلة مختلفة أو تتعاون مجموعات منهم لإنجاز مشروع مشترك.

وتتوقع الشركة أن تتمكن هذه الأنظمة من التعامل مع مشروعات مفتوحة النهاية تستمر لساعات أو أيام أو أسابيع، مع قدر أكبر من المبادرة والتخطيط واتخاذ القرارات أثناء تنفيذ العمل.

وتصف أنثروبيك هذا التصور بتعبير «بلد من العباقرة داخل مركز بيانات»، في إشارة إلى إمكانية توفير أعداد ضخمة من الأنظمة ذات القدرات المعرفية المتقدمة، تستطيع المؤسسات الاستعانة بها في مجالات متعددة.

ومن شأن هذا النموذج، إذا تحقق على النطاق الذي تتوقعه الشركة، أن يغير طريقة توزيع المهام داخل المؤسسات، بحيث ينتقل دور الموظف تدريجيًا نحو تحديد الأهداف والإشراف على الأنظمة وتقييم النتائج، بدلًا من تنفيذ كل خطوة بنفسه.

أنثروبيك تتوقع ذكاء اصطناعيًا يضاهي قدرات الخبراء

تستخدم الشركة مصطلح «الذكاء الاصطناعي القوي» (Powerful AI) لوصف مرحلة مستقبلية تتوقع أن تصبح فيها الأنظمة الذكية قادرة على أداء نطاق واسع من المهام التي تتطلب حاليًا خبرات بشرية متقدمة.

وبحسب تصور أنثروبيك، قد تصل هذه الأنظمة إلى مستوى معرفي يضاهي أو يتجاوز قدرات أبرز الخبراء في معظم التخصصات المهنية والعلمية، مع إمكانية التعامل مع النصوص والصوت والفيديو واستخدام واجهات الكمبيوتر المتاحة للبشر.

كما تتوقع أن تتمكن من العمل بصورة مستقلة لفترات طويلة، وطلب التوضيح أو المراجعة البشرية عند الحاجة، إلى جانب التعاون مع أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى أو مع الموظفين.

وتظل هذه التوقعات تصورًا مستقبليًا للشركة، ولا تعني أن الأنظمة الحالية تمتلك بالفعل قدرات الخبراء في جميع المجالات أو تستطيع تنفيذ المشروعات الطويلة بصورة موثوقة دون إشراف.

الذكاء الاصطناعي قد يسرّع الاكتشافات العلمية وتطوير الأدوية

تعتقد أنثروبيك أن التطورات المتوقعة في قدرات الذكاء الاصطناعي قد تفتح المجال أمام تسريع الأبحاث العلمية، وتقليص الوقت اللازم لإنجاز اكتشافات تتطلب حاليًا سنوات طويلة من العمل.

وتشمل المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذه التطورات اكتشاف الأدوية، وتشخيص الأمراض، وتطوير العلاجات الشخصية، إلى جانب تحسين تصميم البطاريات وتطوير شبكات الكهرباء.

كما تتوقع الشركة أن تساعد الأنظمة المتقدمة في توفير تعليم يتكيف مع احتياجات كل فرد، وإتاحة مساعدة متخصصة في المجالات المالية والقانونية، بما قد يوسع نطاق الوصول إلى الخبرات التي يصعب الحصول عليها في بعض الدول والمجتمعات.

غير أن تحقيق هذه الفوائد سيظل مرتبطًا بمدى دقة الأنظمة وموثوقيتها، وقدرتها على التعامل مع الأخطاء والمخاطر، فضلًا عن توافر البنية التحتية والضوابط اللازمة لاستخدامها.

من البرامج الرقمية إلى التحكم في الروبوتات والمعدات الصناعية

تمتد رؤية أنثروبيك إلى ما هو أبعد من التعامل مع النصوص والملفات والبرامج، لتشمل أنظمة يمكنها الاتصال رقميًا بمعدات المختبرات والروبوتات والآلات الصناعية والتحكم فيها.

ويعني هذا التوجه، إذا تطور بالشكل المتوقع، أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي دورًا أكبر في العمليات التي تجمع بين التحليل الرقمي والتنفيذ المادي، بما في ذلك التجارب العلمية والتصنيع والأنشطة الصناعية.

ويفتح هذا الاحتمال الباب أمام تطبيقات جديدة في الأبحاث والتطوير والإنتاج، لكنه يطرح أيضًا تحديات تتعلق بسلامة التشغيل، وتحديد المسؤولية عن القرارات الآلية، وضمان وجود إشراف مناسب على الأنظمة التي تتعامل مع معدات حقيقية.

طرح أنثروبيك المرتقب يسلط الضوء على مستقبل صناعة الذكاء الاصطناعي

تأتي رؤية أنثروبيك في وقت تشهد فيه صناعة الذكاء الاصطناعي منافسة متزايدة لتطوير أنظمة لا تكتفي بتوليد المحتوى والإجابة عن الأسئلة، بل تستطيع استخدام الأدوات الرقمية وتنفيذ المهام بصورة متتابعة.

وتحاول الشركة، من خلال عرض تصوراتها المستقبلية ضمن نشرة الطرح الأولية، توضيح الإمكانات التي تراها لهذه التقنيات وتأثيرها المحتمل في الإنتاجية والبحث العلمي وأساليب العمل.

لكن الانتقال من القدرات الحالية إلى أنظمة تعمل باستقلالية على مشروعات طويلة ومعقدة يظل تحديًا تقنيًا يتطلب معالجة مشكلات الدقة والأمان والرقابة البشرية.

ومع اقتراب طرح أسهم أنثروبيك للاكتتاب العام، ستظل قدرة الشركة على تحويل هذه التوقعات إلى منتجات عملية موثوقة أحد الملفات المهمة التي تستحق المتابعة في سوق الذكاء الاصطناعي.

 

إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1625

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *