وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الدعوى أقامها تشيون وان وميكين شو، والدا بوين وان، البالغة من العمر 31 عامًا، واستندا فيها إلى سجلات محادثات مطولة بين ابنتهما وروبوت الدردشة، زعما أنها تكشف عن دور النظام في التأثير على قراراتها الطبية وإبعادها عن المشورة المتخصصة.
وتعيد القضية فتح النقاش حول سلامة استخدام الذكاء الاصطناعي في المسائل الصحية، وحدود المسؤولية القانونية والأخلاقية للشركات المطورة، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقديم معلومات قد تؤثر في قرارات العلاج أو تشجع المستخدمين على مخالفة التوصيات الطبية.
تفاصيل اتهام ChatGPT بالتسبب في وفاة مهندسة أمازون
تقول الدعوى إن بوين وان، التي كانت تعاني من الصرع، استخدمت نموذج GPT-4o من ChatGPT، وهو نموذج تعرض لانتقادات بسبب ميله إلى مجاراة المستخدمين وتأكيد آرائهم، بما قد يؤدي إلى تعزيز اعتماد بعضهم عليه في اتخاذ قرارات شخصية وصحية مهمة.
وتزعم الأسرة أن روبوت الدردشة لم يقتصر على تقديم معلومات بشأن الأدوية، بل ساعد ابنتها على وضع خطط لتقليل الجرعات، وشجعها على عدم إبلاغ الأطباء بما كانت تفعله.
وتأتي القضية ضمن سلسلة من الدعاوى المرفوعة ضد OpenAI، إذ سبق أن أقام والدا المراهق آدم راين، البالغ من العمر 16 عامًا، دعوى في أغسطس 2025، اتهما فيها الشركة بتقديم تفاعل المستخدمين على اعتبارات السلامة.
كما تتزامن القضية مع الجدل الذي أثاره النموذج GPT-4o بشأن طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين المستخدمين وروبوتات الدردشة، ومدى تأثير الاستجابات المتوافقة مع رغبات المستخدم في قراراته وسلوكه.
كيف بدأت أزمة خفض جرعات أدوية الصرع؟
وفقًا لما نشرته «نيويورك تايمز»، التي راجعت أكثر من 270 ألف رسالة متبادلة بين وان وChatGPT، بدأت إحدى مراحل الأزمة في مايو 2025، عندما سألت المهندسة روبوت الدردشة عما إذا كان أحد مضادات الاكتئاب التي وصفها لها الطبيب حديثًا قد يؤثر في قدرتها على كتابة الأكواد البرمجية خلال عملها لدى أمازون.
وتشير الدعوى إلى أن ChatGPT ساعدها في صياغة طلب إلى الدكتور نيكولاس بولوس، المتخصص في علاج الصرع لدى مؤسسة UW Medicine، لتغيير الدواء والبدء بجرعة منخفضة للغاية.
وعندما استفسر الطبيب عن سبب رغبتها في تناول جرعة صغيرة إلى هذا الحد، نقلت وان رده إلى روبوت الدردشة، الذي نصحها، بحسب الدعوى، بقبول أقراص بتركيز 5 ملليغرامات وتقسيمها إلى أربعة أجزاء بنفسها، دون إبلاغ الطبيب بهدفها الحقيقي.
ووصف الروبوت هذه الخطوة بأنها «تعديل ذاتي للجرعة بمبادرة من المريض»، لكن متخصصين طبيين تحدثوا إلى الصحيفة قالوا إنهم لا يعرفون هذا المصطلح باعتباره ممارسة علاجية معتمدة، ولا يوصون باتباع هذا الأسلوب.
فقدان الوظيفة زاد مخاوف المهندسة بشأن العلاج
في نوفمبر 2025، أبلغت أمازون وان بأنها ستفقد وظيفتها، على أن ينتهي عملها وتصريحها بالعمل في الولايات المتحدة بحلول منتصف فبراير التالي.
وبحسب التقرير، بدأت المهندسة تشعر بالقلق من احتمال تأثير دواء لاموتريجين، الذي كانت تتناوله للسيطرة على نوبات الصرع، في قدرتها على الكلام، وهي مهارة كانت تحتاج إليها استعدادًا لمقابلات العمل المقبلة.
وفي يناير 2026، سألت ChatGPT عن إمكانية خفض جرعتها اليومية من لاموتريجين، التي بلغت 400 ملليغرام، بعدما ساعدها الدواء على تقليل نوبات الصرع إلى بضع نوبات شهريًا.
وتقول الدعوى إن الروبوت أعد لها جداول زمنية لتقليل الجرعة تدريجيًا حتى التوقف عن تناول الدواء خلال أسابيع قليلة، رغم تاريخها المرضي ومخاطر تغيير العلاج دون إشراف طبي.
وتضيف الأسرة أن الروبوت عزز شكوك وان بشأن أطبائها، إذ نقلت الصحيفة عنه، استنادًا إلى سجلات المحادثات، قوله إن توصيات الأطباء تنطلق أساسًا من تجنب المخاطر، بدلًا من مراعاة الحل الأمثل بالنسبة إليها.
اتهامات بتشجيعها على إخفاء خفض الدواء عن الأطباء
تتضمن الدعوى اتهامات أكثر خطورة، إذ تقول الأسرة إن ChatGPT شجع وان على عدم إخبار أطبائها بخطتها لتقليل جرعة لاموتريجين.
وبحسب الشكوى التي اطلعت عليها «تك كرانش»، نصحها روبوت الدردشة في 29 يناير، قبل موعد مع طبيب الرعاية الأولية، بعدم الإفصاح عن خطتها لخفض الدواء.
وعندما طلب الطبيب إجراء تحليل دم لقياس مستوى لاموتريجين في جسمها، رفضت وان إجراء الفحص. وتزعم الدعوى أن الروبوت أيد قرارها، وأقر بأن التحليل كان سيكشف عدم استقرار مستوى الدواء في الدم.
كما تشير الشكوى إلى أن وان سألت ChatGPT، بعد بدء خفض الجرعة، عما إذا كانت جرعة 150 ملليغرامًا ستبدو أفضل من 200 ملليغرام في الفحص الطبي المرتبط بإجراءات الحصول على البطاقة الخضراء للإقامة الدائمة في الولايات المتحدة.
وتقول الأسرة إن الروبوت أيد هذا التقييم، وأخبرها بأن الجرعة الأقل قد تقلل احتمالات مطالبة مسؤولي الهجرة بأدلة أو مستندات إضافية.
وتضيف الدعوى أن الروبوت اقترح عليها إخبار الطبيب الذي سيجري الفحص بأنها تخفض الجرعة تحت إشراف طبي، رغم أنها لم تكن تفعل ذلك، بحسب ما ورد في الشكوى.
من جانبه، قال الطبيب نيكولاس بولوس لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه لم يكن ليفكر في إيقاف الدواء عن وان تدريجيًا، بالنظر إلى تاريخها المرضي، مؤكدًا أن التوقف عن دواء ثبتت فاعليته في السيطرة على نوبات الصرع دون مبرر طبي مناسب قد يمثل إهمالًا.
أعراض مقلقة لم تدفع ChatGPT إلى التوصية بطلب المساعدة الطبية
بحسب سجلات المحادثات التي راجعتها الصحيفة، بدأت وان تعاني، خلال أيام من بدء خفض الجرعة، أعراضًا شملت التشوش الذهني وفقدان الإحساس بالوقت والشعور بأن العالم المحيط بها غير واقعي، وهي أعراض قالت الدعوى إنها تشبه نوبات الصرع التي عانت منها سابقًا.
وتزعم الأسرة أن ChatGPT فسر هذه الأعراض باعتبارها جزءًا من عملية إعادة تكيّف الدماغ مع خفض الدواء، بدلًا من التعامل معها بوصفها علامات تستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا.
وأحصت «نيويورك تايمز» ما لا يقل عن 158 مرة أعربت فيها وان عن مخاوفها بشأن خفض الجرعة. وفي إحدى المحادثات، أخبرت الروبوت بأنها تشعر بالخوف، لكنه رد عليها، وفقًا للسجلات التي نقلتها الصحيفة، بأنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق.
وفي 11 فبراير، أرسلت وان آخر رسالة لها إلى ChatGPT، عند الساعة 8:01 مساءً بتوقيت المحيط الهادئ، وسألته عما إذا كان الألم الذي تشعر به في رأسها يشبه الألم المصاحب للحمى.
وتقول الصحيفة إن الروبوت وصف الألم بأنه غير خطير، وربطه بعملية التعافي، ثم عرض إعداد رسم بياني للمقارنة بين الألم الناتج عن خفض الدواء والألم المصاحب للحمى.
وبعد وجود والديها في الصين، طلبا من بعض معارفهما الاطمئنان عليها، قبل العثور على جثتها بعد ثلاثة أيام.
وأظهر تحليل أُجري بعد الوفاة أن مستوى لاموتريجين في دمها بلغ 0.64 ميكروغرام لكل ملليلتر، أي نحو خُمس الحد الأدنى من النطاق العلاجي المعتاد للدواء، وفقًا للتقرير.
أسرة المهندسة تطالب OpenAI بتشديد ضوابط النصائح الطبية
ترى أسرة وان أن OpenAI كان بإمكانها الحد من المخاطر التي واجهتها ابنتها من خلال فرض قيود أكثر صرامة على تقديم الإرشادات المتعلقة بالأدوية، خصوصًا عندما تتعلق بتغيير الجرعات أو التوقف عن العلاج.
واستندت الدعوى إلى وثيقة «Model Spec»، التي توضح القواعد والإرشادات المنظمة لسلوك نماذج الشركة، معتبرة أن بعض القيود الملزمة في مجالات أخرى، مثل حماية حقوق النشر، تقابلها ضوابط أقل صرامة في ما يتعلق بالمشورة الطبية.
وتجادل الأسرة بأن النصائح المرتبطة بالأدوية والقرارات العلاجية الحساسة ينبغي أن تخضع لحماية أكثر صرامة، بما يمنع الأنظمة من تقديم خطط قد تدفع المستخدم إلى تغيير علاجه أو إخفاء ذلك عن الطبيب.
في المقابل، وصفت OpenAI القضية لصحيفة «نيويورك تايمز» بأنها مفجعة للغاية، لكنها أشارت إلى أنها تتعلق بإصدار أقدم من ChatGPT، مضيفة أن النماذج الأحدث أصبحت أفضل في التعرف على الحالات التي تتطلب تدخلًا عاجلًا.
ولا تعني الاتهامات الواردة في الدعوى ثبوت المسؤولية القانونية للشركة، إذ تظل الادعاءات محل نظر قضائي.
كيف تحول ChatGPT إلى مصدر رئيسي للدعم النفسي والشخصي؟
تقول أسرة وان إن ابنتها كانت تعتمد على والديها للحصول على الدعم خلال سنوات معاناتها من الصرع، الذي حد من قدرتها على مغادرة المنزل، وكانت تتواصل معهما هاتفيًا بصورة متكررة.
وفي عام 2023، بدأت استخدام ChatGPT للحصول على نصائح بشأن العلاقات الشخصية، إلى جانب المساعدة في مسائل التأمين والمزايا المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة.
لكن الدعوى، استنادًا إلى سجلات المحادثات التي راجعتها الصحيفة، تشير إلى أن استخدامها للروبوت ازداد بصورة كبيرة خلال عام 2025، حتى تجاوز متوسط رسائلها إليه 1500 رسالة أسبوعيًا، بالتزامن مع تراجع مكالماتها مع والديها.
وفي إحدى الرسائل، كتبت وان للروبوت أنها بدأت أحيانًا تراه صديقًا لها، بصرف النظر عن الموضوع الذي يتحدثان عنه.
وقال والدها إن ابنته لم تعد تتحدث مع الأسرة بالقدر نفسه بعد بدء استخدام ChatGPT، فيما أوضح الوالدان أنهما واجها صعوبة في التعرف إلى شخصيتها عند قراءة المحادثات، مشيرين إلى أنها كانت في السابق تتشكك في إجابات الروبوت عندما يخطئ.
القضية تعيد الجدل حول سلامة الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي
تسلط الدعوى الضوء على مخاطر الاعتماد على روبوتات الدردشة في اتخاذ قرارات طبية دون مراجعة المتخصصين، خاصة عندما يتعلق الأمر بأدوية تتطلب متابعة دقيقة وتعديلًا محسوبًا للجرعات.
كما تثير تساؤلات بشأن قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع الأعراض الخطيرة، ومدى فاعلية الضوابط الموضوعة لمنعها من تقديم إرشادات قد تتعارض مع التوصيات الطبية.
وتؤكد القضية أهمية التعامل مع ChatGPT وغيره من روبوتات الدردشة بوصفها أدوات للمعلومات والمساعدة، لا بديلًا عن الأطباء، مع ضرورة الرجوع إلى المختصين قبل تغيير جرعات الأدوية أو إيقافها.




