وأثار بحث أجراه فريق «Frontier Red Team» التابع لشركة أنثروبيك اهتمام خبراء الأمن السيبراني، بعدما أشار إلى احتمال اقتراب نماذج الذكاء الاصطناعي من امتلاك قدرات تسمح لها بالانتشار عبر الأجهزة المتصلة بالإنترنت، مستفيدة من الثغرات الأمنية وضعف أنظمة الحماية.
ورغم أن بعض الخبراء يتفقون على إمكانية ظهور هذه القدرات في المستقبل القريب، فإنهم يحذرون من المبالغة في وصفها بأنها استنساخ ذاتي كامل، مؤكدين أن طبيعة التهديد المحتمل قد تختلف عن الصورة المتداولة.
نماذج الذكاء الاصطناعي تقترب من الانتشار بين الأجهزة
يرى عدد من المتخصصين أن تطور النماذج الصغيرة قد يجعلها قادرة على تنفيذ مهام كانت تتطلب تدخلًا بشريًا، بما في ذلك التكيف مع بيئات تشغيل مختلفة والانتقال بين أجهزة متعددة.
وقال كريس كانال، الرئيس التنفيذي لشركة «إيكوي ستامب»، إن ظهور هذه القدرات ربما يكون أقرب مما كان يتوقع، مشيرًا إلى أن مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى تمتلك معلومات ونتائج بحثية قد تجعل تقديراتها بشأن توقيت ظهور هذه المخاطر أكثر دقة.
وأرجع تسارع التطور إلى اعتماد الباحثين في شركات الذكاء الاصطناعي على نماذجهم وأدواتهم الخاصة في إجراء أبحاث التعلم الآلي، وهو ما يساهم في تسريع عمليات التطوير وتحسين قدرات النماذج.
من جانبه، أكد مايكل بيلي، الأستاذ بكلية الأمن السيبراني والخصوصية في معهد جورجيا للتكنولوجيا، أن ظهور نماذج قادرة على الانتشار بين الأجهزة أمر محتمل، لكنه أشار إلى أن طبيعة عملها والعواقب المترتبة عليها لا تزال محل نقاش.
هجمات ميراي تكشف خطورة شبكات الروبوتات الخبيثة
تستند المخاوف الحالية إلى تجارب سابقة في مجال الهجمات الإلكترونية، أبرزها شبكة «ميراي» الخبيثة التي ظهرت عام 2016، واستطاعت استغلال أجهزة متصلة بالإنترنت، مثل أجهزة التوجيه المنزلية وكاميرات المراقبة، وتحويلها إلى شبكة ضخمة لتنفيذ هجمات حجب الخدمة الموزعة.
وتسببت هجمات ميراي في تعطيل خدمات عدد من المنصات والمواقع الكبرى، من بينها أمازون وباي بال وريديت وتويتر، بعدما استهدفت شركة «داين» المتخصصة في خدمات نظام أسماء النطاقات، ما أدى إلى اضطراب واسع في الوصول إلى مواقع الإنترنت داخل الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا.
وأوضح بيلي أن هذه التجربة أثبتت أن الأجهزة المنزلية البسيطة يمكن أن تتحول إلى أدوات فعالة في أيدي المهاجمين، رغم محدودية قدراتها الحاسوبية.
لكن الفارق المحتمل بين ميراي وشبكات الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتمثل في القدرة على التكيف مع الأجهزة غير المألوفة بصورة آلية، بدلًا من الحاجة إلى تدخل بشري لإعادة تهيئة البرمجيات بما يتناسب مع كل نوع من الأجهزة.
كيف يغير الذكاء الاصطناعي أساليب الهجمات الإلكترونية؟
يرى خبراء الأمن السيبراني أن الذكاء الاصطناعي قد لا يقدم بالضرورة أساليب هجوم جديدة بالكامل، لكنه يستطيع تغيير موازين القوة بين المهاجمين والمدافعين، من خلال خفض التكلفة والوقت اللازمين لتنفيذ الهجمات وتطوير البرمجيات الخبيثة.
وأشار بيلي إلى أن تجارب أنثروبيك أظهرت قدرة أحد النماذج على الانتقال بين الأجهزة وإعداد بيئات تشغيل مختلفة، إلا أن الاختبارات أُجريت داخل شبكة محاكاة، واعتمدت على استغلال ثغرة بسيطة، وهو ما لا يمثل دليلًا قاطعًا على إمكانية حدوث السيناريو نفسه في بيئة حقيقية.
كما تحفظ على استخدام مصطلح الاستنساخ الذاتي لوصف هذه العملية، موضحًا أن ما يحدث قد يعتمد على تقسيم النموذج إلى أجزاء، وتثبيت أدوات صغيرة على الأجهزة المستهدفة لتلقي التعليمات والتنسيق مع بقية الشبكة.
وبهذا التصور، قد لا ينتقل نموذج الذكاء الاصطناعي بالكامل إلى كل جهاز، وإنما تُستخدم برمجيات محدودة لتشغيل مهام معينة، بينما تظل عمليات التنسيق والتحكم مرتبطة بأجزاء أخرى من الشبكة.
هل تستطيع النماذج الخبيثة تطوير نفسها تلقائيًا؟
تتمثل إحدى المخاوف الرئيسية في إمكانية تطوير البرمجيات الخبيثة لقدراتها بصورة مستمرة، وتغيير بصمتها الرقمية وسلوكها لتجنب أنظمة الكشف والحماية.
وتُعرف هذه الخاصية في عالم البرمجيات الخبيثة باسم تعدد الأشكال، إذ تستطيع بعض البرمجيات تغيير شكل شيفرتها أو سلوكها مع الاحتفاظ بوظيفتها الأساسية.
لكن بيلي يرى أن الوصول إلى مرحلة تستطيع فيها شبكة روبوتات مدعومة بالذكاء الاصطناعي إعادة تدريب نماذجها وتطوير نفسها بصورة مستقلة لا يزال أمرًا غير مثبت.
وأوضح أن التجارب التي أجرتها أنثروبيك أظهرت قدرة نسخ من أحد النماذج على تبادل الملاحظات والاستفادة من خبرات النسخ السابقة، وتحسين قدرتها على إعداد بيئات تشغيل الاستدلال، لكنها لم تثبت حدوث إعادة تدريب ذاتية كاملة.
تحذيرات أنثروبيك تفتح باب التساؤلات حول أمن الذكاء الاصطناعي
أثارت تحذيرات أنثروبيك تساؤلات بشأن احتمال المبالغة في تصوير مخاطر الذكاء الاصطناعي، خاصة مع تزايد المنافسة بين الشركات الكبرى وسعيها إلى جذب الاستثمارات وتوسيع حصتها السوقية.
لكن بعض الخبراء يرون أن التحذيرات تعكس أيضًا مخاوف حقيقية من تسابق الشركات على تطوير نماذج أكثر قوة وطرحها بسرعة، دون منح إجراءات السلامة والأمن السيبراني الوقت الكافي لمواكبة التطور.
وتكمن الخطورة في أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد يمنح المهاجمين قدرات أكبر على استغلال الثغرات الأمنية، وتنفيذ عمليات معقدة بتدخل بشري محدود، ما يفرض ضرورة تطوير وسائل الحماية بالتوازي مع تقدم التكنولوجيا.
كيف يمكن مواجهة خطر انتشار البرمجيات الخبيثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؟
اقترحت أنثروبيك مجموعة من الإجراءات للحد من مخاطر انتشار هذه البرمجيات، من بينها تعزيز دور مزودي خدمات الإنترنت في اكتشاف الأجهزة المصابة وإخطار أصحابها، إلى جانب تقييد اتصال الأجهزة المخترقة بالشبكة، بحيث لا تتمكن من الوصول إلا إلى قائمة محدودة من المواقع والخدمات الآمنة.
وتعتمد هذه الإجراءات على عزل الأجهزة المصابة والحد من قدرتها على التواصل مع بقية الشبكة، بما يقلل فرص استخدامها في تنفيذ هجمات واسعة النطاق.
وتشير هذه التطورات إلى أن التحدي المقبل في مجال الأمن السيبراني لن يقتصر على مواجهة الفيروسات والبرمجيات التقليدية، بل سيمتد إلى التعامل مع أدوات قادرة على التكيف وتنفيذ المهام بصورة أكثر استقلالية، وهو ما يجعل تأمين الأجهزة المتصلة بالإنترنت وتحديث أنظمة الحماية ضرورة متزايدة في عصر الذكاء الاصطناعي.




