تقرير: واشنطن أمام سباق مع الزمن لتنظيم الذكاء الاصطناعي

تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة للتحرك أمام المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، بعدما بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى نفسها في التحذير من تسارع تطور هذه التكنولوجيا بصورة قد تجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتسابق فيه الشركات الأميركية لتطوير نماذج أكثر قدرة، بينما تتصاعد المخاوف بشأن قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة على تنفيذ مهام معقدة بدرجات متزايدة من الاستقلالية.

سيناتور أميركي: الوحش يهرب

وقال السيناتور الديمقراطي عن ولاية أريزونا، روبن جاليجو، إن التحذيرات الأخيرة من قطاع الذكاء الاصطناعي تستدعي استجابة سياسية عاجلة، مشبهًا الوضع بقصة «فرانكنشتاين» التي يهرب فيها الوحش من صانعه.

وأكد جاليجو أن حجم الإجراءات التي تتخذها واشنطن حاليًا لا يتناسب مع خطورة التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى جمع الخبراء وصناع القرار لمناقشة إجراءات عاجلة للحد من المخاطر.

وجاءت تصريحاته عقب استقالة باحث في شركة Anthropic وتحذيره من إمكانية أن تصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي شديدة الخطورة على البشر خلال السنوات المقبلة.

شركات الذكاء الاصطناعي تتعهد بإبطاء التطوير

وتزايدت الضغوط السياسية بعد إعلان قادة شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي، من بينها Anthropic وOpenAI وxAI، عن خطوات تستهدف تهدئة وتيرة تطوير النماذج المتقدمة.

وتزامنت هذه التعهدات مع دعوات متزايدة من أعضاء الكونغرس إلى وضع قواعد جديدة لتنظيم الصناعة، خصوصًا مع تزايد المخاوف من المخاطر الأمنية والسيبرانية المرتبطة بالأنظمة القادرة على العمل بدرجة أكبر من الاستقلالية.

حاكم بنسلفانيا: تصريحات الشركات بمثابة إنذار

وقال حاكم ولاية بنسلفانيا، جوش شابيرو، إن التحذيرات الصادرة عن قادة صناعة الذكاء الاصطناعي يجب التعامل معها باعتبارها إنذارًا واضحًا للرئيس الأميركي والكونغرس بضرورة التحرك.

وأشار شابيرو إلى أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات كبيرة لتحسين حياة البشر وتحقيق فوائد اقتصادية وعلمية، لكنه في الوقت نفسه ينطوي على مخاطر استثنائية، مؤكدًا أن تحديد مستقبل هذه التكنولوجيا لا ينبغي أن يكون مسؤولية الشركات الخاصة وحدها.

الكونجرس أمام معضلة سياسية

وتضع التطورات الأخيرة المشرعين الأميركيين أمام اختبار صعب، خاصة أن الولايات المتحدة لم تعتمد حتى الآن إطارًا اتحاديًا شاملًا لتنظيم الذكاء الاصطناعي يتناسب مع سرعة تطور الصناعة.

وتزداد صعوبة المهمة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، في وقت يستعد فيه أعضاء الكونغرس لمغادرة واشنطن والانخراط في الحملات الانتخابية بولاياتهم.

وبذلك يجد المشرعون أنفسهم أمام خيارين؛ إما مواصلة العمل على وضع ضوابط للذكاء الاصطناعي قبل مغادرة واشنطن، أو تأجيل الملف إلى ما بعد الانتخابات، بينما تتواصل طفرة تطوير التكنولوجيا.

مطالب بإبقاء مجلس النواب منعقدًا

ودعا عدد من الديمقراطيين في مجلس النواب إلى إبقاء المجلس في حالة انعقاد حتى يحرز الكونغرس تقدمًا حقيقيًا في وضع ضوابط جديدة للذكاء الاصطناعي.

وقاد النائب الديمقراطي عن كاليفورنيا سام ليكاردو رسالة موجهة إلى رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، طالب فيها بعدم إنهاء أعمال المجلس والسماح لأعضاء الكونغرس بالعودة إلى ولاياتهم قبل إحراز تقدم في ملف تنظيم الذكاء الاصطناعي.

وأكد النواب أن الكونغرس مطالب بالتحرك سريعًا من أجل وضع قواعد واضحة بدلًا من ترك التطورات التقنية تتجاوز قدرة المؤسسات السياسية على التعامل معها.

قوانين مقترحة لتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي

وتشمل المقترحات التي يطالب الديمقراطيون بمناقشتها فرض مزيد من الشفافية على شركات التكنولوجيا وإلزامها بإجراء تقييمات للأنظمة المتقدمة قبل طرحها أو توسيع نطاق استخدامها.

كما تتضمن بعض المقترحات وضع متطلبات تتيح تعطيل أنظمة الذكاء الاصطناعي عند الضرورة، إلى جانب توفير استثناءات محددة من قوانين مكافحة الاحتكار تسمح للشركات بالتعاون في قضايا السلامة والأمن.

حكيم جيفريز يدعو إلى إجراءات حاسمة

وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، إن حزبه سيبحث الضوابط المقترحة للذكاء الاصطناعي، مؤكدًا ضرورة اتخاذ خطوات سريعة لحماية الأميركيين.

وأشار إلى أن إبطاء وتيرة تطوير التكنولوجيا بصورة مدروسة قد يكون ضروريًا للتأكد من أن انتشار الذكاء الاصطناعي يتم بطريقة آمنة، خاصة في ظل اعتراف عدد من قادة الصناعة أنفسهم بالحاجة إلى مزيد من إجراءات السلامة.

مايك جونسون: لا نريد خسارة السباق أمام الصين

في المقابل، حذر رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون من أن الاندفاع نحو تنظيم الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في منح الصين فرصة للتفوق على الولايات المتحدة في السباق التكنولوجي.

وقال جونسون إن تنظيم التكنولوجيا بصورة متسرعة قد يضر بالمنافسة الأميركية، داعيًا إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة دون خنق الابتكار.

واقترح عقد اجتماع يجمع المسؤولين الأميركيين مع قادة شركات الذكاء الاصطناعي بهدف الاتفاق على مسار مشترك، كما دعا الشركات إلى تحمل جانب من مسؤولية الرقابة الذاتية على الصناعة.

جاليجو: الولايات المتحدة لا تملك 3 سنوات

رفض السيناتور روبن جاليجو فكرة تأجيل التحرك التشريعي لسنوات، مؤكدًا أن التطورات الحالية تتطلب استجابة أسرع بكثير.

وأشار إلى أن إنشاء لجان وإعداد تشريعات تستغرق سنوات قبل دخولها حيز التنفيذ لن يكون كافيًا لمواجهة التطور السريع للذكاء الاصطناعي.

كما انتقد جاليجو الرئيس الأميركي والكونغرس ومايك جونسون، معتبرًا أن واشنطن لا تتعامل مع التطورات الحالية بالسرعة التي تستحقها.

ورفض كذلك حجة أن فرض ضوابط أميركية قد يؤدي إلى خسارة الولايات المتحدة سباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين، محذرًا من أن المخاطر المستقبلية لهذه التكنولوجيا لن تميز بين دولة وأخرى.

ترامب: من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز

من جانبه، شدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أهمية الحفاظ على تقدم الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، في إشارة واضحة إلى المنافسة مع الصين.

وقال ترامب إن الولايات المتحدة تتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، وإن الحفاظ على هذه الريادة يمثل أولوية، معتبرًا أن الدولة التي تفوز بسباق الذكاء الاصطناعي ستكون صاحبة موقع أقوى في المستقبل.

وفي الوقت نفسه، لم يستبعد ترامب إمكانية فرض ضوابط على التكنولوجيا، لكنه حذر من المبالغة في المخاوف والتوقعات السلبية بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي.

مجلس النواب يتحرك ومجلس الشيوخ يتأخر

وشهد مجلس النواب بالفعل طرح عدد من المبادرات التشريعية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، ومن بينها مشروع قانون FRONTIER Act، الذي يقوده النائبان جاي أوبرنولت ولوري تراهن.

لكن مجلس الشيوخ لا يزال أبطأ في الوصول إلى توافق حزبي حول تشريعات مماثلة، رغم وجود محاولات يقودها عدد من الأعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

ومن بين هذه الجهود مشروع قانون يعمل عليه زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون بالتعاون مع السيناتورين إيمي كلوبوشار وتيد كروز، لكنه لم يُطرح رسميًا حتى الآن.

زخم جديد داخل واشنطن لإقرار تشريع

ورغم حالة الجمود السياسي، يرى بعض العاملين في قطاع الذكاء الاصطناعي أن فرص تحرك الكونغرس لا تزال قائمة قبل انتخابات التجديد النصفي.

وقال مصدر مطلع على المناقشات الجارية في واشنطن إن هناك احتمالًا لظهور تشريع جديد خلال الفترة المقبلة، مشيرًا إلى وجود زخم حقيقي يدفع نحو اتخاذ خطوات في هذا الملف.

ويرتبط جزء من هذا الزخم بالانتخابات المقبلة، إذ يرغب أعضاء الكونغرس الذين يخوضون المنافسة في نوفمبر في تقديم إنجازات ملموسة للناخبين، بدلًا من الظهور بمظهر العاجز أمام التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى معركة سياسية

وتكشف التطورات الأخيرة أن النقاش الأميركي حول الذكاء الاصطناعي لم يعد محصورًا في المختبرات وشركات التكنولوجيا، بل تحول إلى قضية سياسية وأمنية واقتصادية رئيسية.

وبينما يطالب فريق داخل الكونغرس بتنظيم سريع وفرض معايير للسلامة والشفافية، يحذر فريق آخر من أن الإفراط في القيود قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على المنافسة مع الصين.

وفي ظل تسارع قدرات النماذج المتقدمة، يبدو أن واشنطن أمام سباق مزدوج: الحفاظ على الريادة الأميركية في الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه ضمان ألا تتحول هذه الريادة إلى مصدر لمخاطر يصعب احتواؤها مستقبلًا.

 

يوسف إبراهيم
يوسف إبراهيم
المقالات: 1363

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *