طفرة الذكاء الاصطناعي تربك المدارس والبحث عن الأدوات المناسبة

مع انطلاق عام دراسي جديد، تتوسع المدارس الأميركية في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الفصول، بداية من رصد الطلاب الذين يواجهون صعوبات في الدراسة، وصولاً إلى متابعة الحضور وتحسين مهارات القراءة.

لكن هذا التوسع يضع إدارات المدارس أمام تحدٍ جديد، يتمثل في اختيار الأدوات التي تستحق الإنفاق عليها، والتأكد في الوقت نفسه من أمانها وقدرتها على تحقيق نتائج تعليمية حقيقية.

ومع اتساع سوق تكنولوجيا التعليم، يجد كثير من مسؤولي المدارس أنفسهم أمام عشرات الأدوات والمنصات التي تقدم وعوداً متشابهة، بينما لا تزال بعض الولايات تفتقر إلى قواعد موحدة تساعد المدارس على تقييم هذه المنتجات قبل شرائها.

سوق الذكاء الاصطناعي التعليمي يتوسع بسرعة

تزداد أهمية هذه السوق مع ارتفاع حجم الإنفاق على تكنولوجيا التعليم في الولايات المتحدة، والتي تشمل أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات والمحتوى الرقمي.

وتشير تقديرات السوق إلى أن إيرادات تكنولوجيا التعليم في الولايات المتحدة بلغت نحو 48 مليار دولار خلال عام 2024، مع توقعات بتجاوزها 90 مليار دولار بحلول عام 2030.

وفي الوقت نفسه، حقق سوق الذكاء الاصطناعي في التعليم نحو 2.5 مليار دولار من الإيرادات، وسط توقعات بارتفاعه إلى أكثر من 15 مليار دولار بحلول عام 2033.

وتعكس هذه الأرقام حجم الفرص التجارية المتاحة أمام شركات التكنولوجيا، لكنها في الوقت نفسه تضع المدارس أمام مسؤولية التأكد من أن الأموال تنفق على أدوات تحقق قيمة تعليمية فعلية.

المدارس تواجه وفرة في أدوات الذكاء الاصطناعي

يقول مسؤولون تربويون إن المشكلة الأساسية لا تتمثل في نقص الخيارات، وإنما في كثرتها وسرعة تطور السوق.

وفي ولاية تينيسي، قررت مدارس مقاطعة سومنر اختبار الذكاء الاصطناعي بهدف التعامل مع تراجع معدلات تحسن القراءة لدى طلاب المرحلة الإعدادية.

وكان الهدف هو معرفة مدى قدرة التكنولوجيا على تقديم ملاحظات فورية للطلاب، ومساعدة المعلمين على اكتشاف نقاط الضعف لدى الطلاب أثناء الحصص الدراسية.

وبدأت المقاطعة باختبار أداة تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي داخل فصل واحد للصف السادس لمدة خمسة أيام، قبل توسيع التجربة لتشمل نصف فصول الصف نفسه.

وأكد مسؤولو المقاطعة أن أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة تلك التي تحاول استبدال المعلم، وإنما التي تساعده على فهم مستوى الطلاب بشكل أسرع.

حماية بيانات الطلاب أولوية

تضع بعض المدارس حماية بيانات الطلاب في مقدمة الشروط التي يجب توافرها قبل اعتماد أي أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ويطبق أحد أكبر أنظمة التعليم في مدينة ألينتاون بولاية بنسلفانيا عملية مراجعة من مرحلتين للبرامج التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تشمل معايير أساسية تتعلق بسلامة الطلاب وأمن البيانات.

وتشترط الإدارة أن تظل البيانات التي يدخلها المستخدمون وسجلات المحادثات ملكاً حصرياً للمنطقة التعليمية، مع إلزام الشركات بالتعهد بعدم بيع بيانات الطلاب أو استخدامها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، يرى مسؤولو التعليم أن المدارس لا تزال بحاجة إلى إرشادات أكبر على مستوى الولايات والحكومة الفيدرالية لمساعدتها في اتخاذ قرارات الشراء.

كيف تختار المدارس أدوات الذكاء الاصطناعي؟

تتطلب عملية اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي في كثير من المدارس توقيع اتفاقيات لمعالجة البيانات، إلى جانب استكمال استبيانات أمنية وإجراء مراجعات قانونية تتعلق بالخصوصية وحماية المعلومات.

لكن المشكلة تكمن في أن العديد من المناطق التعليمية لا تزال تفتقر إلى قواعد واضحة تحدد أفضل الممارسات الخاصة بالتعاقد مع شركات الذكاء الاصطناعي أو آليات طرح المناقصات وشراء هذه الأدوات.

وتزداد أهمية هذه الإجراءات بسبب طبيعة الذكاء الاصطناعي التي تختلف عن أدوات التكنولوجيا التعليمية التقليدية، إذ تتغير قدراته بسرعة، كما يمكن أن تتضمن أنظمته مخاطر تتعلق بالخصوصية والتحيز ودقة النتائج.

تجارب أثارت مخاوف قانونية

لم يمر استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس دون انتقادات، إذ شهدت بعض الولايات دعاوى قضائية مرتبطة باستخدام أدوات لمراقبة الطلاب.

ورفع طلاب وأولياء أمور في ولايتي أريزونا وكانساس دعاوى اتحادية ضد استخدام منصة لمراقبة سلامة الطلاب، بسبب اعتراضات على طريقة فحص نشاط الطلاب على الأجهزة والحسابات التابعة للمدارس.

وفي لوس أنجلوس، استقال مسؤول تربوي كبير بعد أزمة مرتبطة بدفع نحو 3 ملايين دولار مقابل روبوت محادثة يعتمد على الذكاء الاصطناعي، قبل أن تعلن الشركة المطورة إفلاسها، بينما واجه مؤسسها اتهامات بالاحتيال.

وتكشف هذه الوقائع أن اختيار أدوات الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بقدرات المنتج، وإنما أيضاً بالوضع المالي والقانوني للشركة التي تقف وراءه.

ولايات أميركية تبدأ بوضع قواعد للشراء

بدأت بعض الولايات والجهات التعليمية في تطوير إرشادات لمساعدة المدارس على التعامل مع سوق الذكاء الاصطناعي.

وتشدد وزارة التعليم في ولاية بنسلفانيا على ضرورة معرفة الجهة التي تسيطر على البيانات التي يتم إدخالها إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، وفحص عمليات مشاركة البيانات مع أطراف خارجية وتقليل جمع المعلومات إلى الحد الضروري.

كما توصي الوزارة بوجود عنصر بشري عند استخدام الذكاء الاصطناعي في التقييم أو اتخاذ القرارات المتعلقة بالطلاب، إلى جانب التأكد من أن استخدام الأداة يؤدي بالفعل إلى تحسين الأداء التعليمي.

نيويورك وشيكاغو تشددان الرقابة

حدّثت مدارس مدينة نيويورك إجراءات مراجعة الخصوصية والأمن لتشمل معايير خاصة بأدوات الذكاء الاصطناعي.

وتتطلب القواعد من الشركات الكشف عن قدرات أدواتها، وتحظر استخدام بيانات الطلاب لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، كما تفرض متطلبات تتعلق بالشفافية حتى تتمكن الأسر والطلاب من فهم طريقة عمل هذه الأدوات.

أما مدارس شيكاغو العامة، فأصدرت دليلاً خاصاً باستخدام برامج ونماذج الذكاء الاصطناعي، وبدأت في حجب المنتجات التابعة لجهات خارجية التي لم تحصل على موافقة مسبقة.

ضرورة اختبار الأدوات قبل استخدامها مع الطلاب

يرى خبراء التعليم أن المدارس يجب ألا تضع أدوات الذكاء الاصطناعي مباشرة في أيدي الطلاب قبل اختبارها من جانب المعلمين والمسؤولين.

ويُنصح بأن يقوم البالغون بتجربة الأدوات أولاً، وفحص المحتوى الذي تنتجه قبل استخدامه في الفصول، إلى جانب الاستفادة من خبرة المعلمين في تقييم مدى ملاءمة التكنولوجيا للطلاب.

ويحذر خبراء من أن شركات التكنولوجيا قد تقدم منتجاتها باعتبارها الحل الأفضل لكل مشكلة تعليمية، بينما يتعين على المدارس التركيز أولاً على احتياجاتها الفعلية.

الذكاء الاصطناعي مطالب بحل مشكلة حقيقية

لا ينبغي أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي هدفاً في حد ذاته، بل يجب أن يرتبط بمشكلة تعليمية واضحة.

ويؤكد متخصصون ضرورة تقييم الأدوات وفق عدة معايير، من بينها سهولة الوصول إليها، وإمكانية تفسير نتائجها، واستنادها إلى مبادئ علم التعلم، وقدرتها على معالجة احتياجات تعليمية حقيقية.

كما تبرز الحاجة إلى مزيد من الدراسات والأبحاث التي تقيس تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي على تحصيل الطلاب، خاصة أن بعض التقنيات لا تزال حديثة نسبياً.

 

شارك هذا الخبر
إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1479

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *